السبت، 30 ديسمبر 2023

كنوز في باطن الذكريات (3) رجال ومواقف عبدالله بن حذافة -2

 كنوز في باطن الذكريات (3)

رجال ومواقف
عبدالله بن حذافة -2
إنها رحلة بالتعبير المعاصر، انتحارية ، فإما أن يعود ، وإما لايعود ، هذه هي طبيعة هذه المهمة .
فالإنسان على قدر تضحيته ، وعلى قدر بذله، وعلى قدر تجشُّمه للأخطار ، وعلى قدر عطائه ، يرقى عند الله -عزَّ وجل - لذلك جمع النبي - صلّى الله عليه وسلَّم - أصحابه، وقام فيهم خطيباً، وقال : أما بعد، فإني أريد أن أبعثُّ بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا عليّ، كما اختلفت بني إسرائيل على عيسى بن مريم
(المائدة الآية: 24) { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}
انتدَب النّبيُّ عليه الصلاة و السلام ستّةً من أصحابه الكرام ، ليحملوا كتبه إلى ملوك العرب والعجم، وكان أحد هؤلاء الستة (عبد الله بن حذافة السهمي)
فقد اخْتِيرَ لحمل رسالة النّبي صلّى الله عليه وسلّم إلى كِسرى ملك الفرس، على حصان، من المدينة إلى المدائن عاصمة الفرس .
ما المدة التي تستغرقها سفرُه؟ أكثر من شهر، وحده في الصحراء، فيها وحوش، وفيها قطَّاع طرُق، وفيها أخطار مجهولة .
جهَّز عبد الله بن حذافة راحلته، وودَّع صاحبته وولده، ومضى إلى غايته ترفعه النجاد ، وتحطه الوهاد، وحيداً، فريداً، ليس معه إلا الله .
أحيانًا العوام يقولون كلمات: الله معك، إنها كلمة عظيمة، ودلالتها بعيدة، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله يحرسك, ويحفظك، ويرعاك، ويوفِّقك، وينصرك، ويؤيِّدك فلا بأسَ عليك, صدق القائل:
وإذا العنايةُ لاحظتًك جفوّنها نم فالمخاوف كلُّهن أمان
إذا بلغت هذه المرتبة، أن يكون الله معك، وأن تشعر أنَّك في حمايته، وفي رعايته، وحفظه، فأنت في مرضاته، وأنت في خدمة عباده، وأنت جنديٌ من جنود الحق، فإذا بلغت هذه المرتبة، وهو المؤنس في كلِّ وحشة فقد سمَوْتَ عاليًا .
ما مضمون الكتاب الذي أرسله النبي إلى كسرى وما موقف كسرى منه وهل استجاب الله دعوة نبيه بتمزيق ملك كسرى ؟
أيها الأخوة, بلغ ديار فارس، فاستأذن بالدخول على ملكها، وأخطرَ الحاشية بالرسالة التي يحملها له، عند ذلك أمر كسرى بإيوانه فزُيِّن، ودعَا عظماء فارس لحضور مجلسه فحضروا، ثم أذِنَ لعبد الله بن حذافة بالدخول عليه .
هناك في قصور في العالم ، قصور في باريس، في لندن، في واشنطن، أبهاء، رخام، زينة، إضاءة، لوحات، مداخل، ثم يدخل هذه القصور أعرابي عليه رداءه وعمامته، إنها قضية ليست بالسهلة، بل هي مِنَ الصعوبة بمكان .
دخل عبد الله بن حذافة على سيد فارس، مشتملاً شملته الرقيقة، مرتدياً عباءته الصفيقة ، عليه بساطة الأعراب، لكنه كان عاليَ الهمَّة، مشدود القامة، تتأجج بين جوانحه عزَّةُ الإسلام، وتتوقَّد في فؤاده كبرياءُ الإيمان, فما إن رآه كسرى مقبلاً، حتى أومأ إلى أحدِ رجاله أن يأخذ الكتاب من يده، فقال عبد الله : لا ، إنما أمرني رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - أن أدفعه إليك يداً بيد ، وأنا لا أخالف أمر رسول الله، فقال كسرى لرجاله: اتركوه يدنو مني، فدنا من كسرى حتى ناوله الكتاب بيده، ثم دعا كسرى كاتباً عربياً مِن أهل الحيرة، وأمَرَه أن يفضَّ الكتاب بين يديه، وأن يقرأه عليه، فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمدٍ رسول الله، إلى كسرى عظيم فارس: - ماذا تفهمون من قوله عظيم فارس؟ إنّه حكم شرعي, فإذا كان لأحدٍ رتبة معينة، وله لقب معيَّن، فإذا خاطبته بهذا اللقب فلست آثماً، يا ترى هل كسرى عظيمٌ في مقياس الإيمان؟ وهل الذي يعبد النار عظيم, والذي يقهر الناس عظيم؟ لا والله، ليس عظيماً، لكن هذا لقب، ومن الحكمة أن تخاطب الناس بألقابهم، هذا له اسم، هذا دكتور، هذا أستاذ، هذا مقدَّم، فإذا خاطبت الناس بمراتبهم، فليس في الخطاب غضاضة، والمؤمن لبق حصيف حكيم- .
فقال عليه الصلاة والسلام في الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمدٍ رسول الله، إلى كسرى عظيم الفرس، سلامٌ على من اتّبع الهدى، - ولم يقل له : سلامٌ عليك، سلامٌ على من اتبع الهدى، أي إن اتبعتَ الهدى فسلامٌ عليك ، وإن لم تتبع الهدى، فالسلام ليس عليك- أسلِم تسلَم، فإن أبيت، فإنما عليك إثمُ الأرِيسيِّين، -أي هؤلاء الذي يتبعونك، إن لم تسلم، فهم في رقبتك، وعليك إثمهم- فما إن سمع كسرى من هذه الرسالة هذا المقدار، حتى اشتعلت نار الغضب في صدره، فاحمر وجهه، وانتفخت أوداجه، -لأن الرسول عليه الصلاة والسلام، بدأ بنفسه، وبدأه بقوله: من محمدٍ رسول الله إلى كسرى، فكان تفكير كسرى تفكيرًا شكليًّا، ولم يقرأ المضمون، ولم يهتمَّ له، فغضِبَ للشكل ، - .
فجلب الرسالة من يد كاتبه، وجعل يمزِّقها دون أن يعلم ما فيها، وهو يصيح: أيُكتبُ لي بهذا، وهو عبدي؟ -لأنه من أتباعه، ولأن باذان عامله على اليمن، تابع لكسرى، والمناذرة وعاصمتهم الحيرة يتبعون كسرى- ثم أمر بعبد الله بن حذافة ، أن يُخًرَج من مجلسه، فخرج !
خرج عبد الله بن حذافة من مجلس كسرى، وهو لا يدري ماذا يفعل ؟
جواهر من صحابيات
(3)
سمية " أول شهيدة في الاسلام"
سمية لاتبالي حين تلقي عذاب النكر يوما او تلينا
وتأبي أن تردد ماأرادوا فكانت في عداد الصالحينا
نسبها:
سمية بنت الخياط، هي أم عمار بن ياسر، أول شهيدة استشهدت في الإسلام، وهي ممن بذلوا أرواحهم لإعلاء كلمة الله عز وجل، وهي من المبايعات الصابرات الخيرات اللاتي احتملن الأذى في ذات الله
كانت سمية من الأولين الذين دخلوا في الدين الإسلامي ، وسابع سبعة ممن اعتنقوا الإسلام بمكة بعد الرسول وأبي بكر الصديق وبلال وصهيب وخباب وعمار ابنها. فرسول الله - صلى الله عليه وسلم- قد منعه عمه عن الإسلام ، أما أبو بكر الصديق فقد منعه قومه، أما الباقون فقد ذاقوا أصناف العذاب ، وألبسوا أدراع الحديد وصهروا تحت لهيب الشمس الحارقة .
عن مجاهد، قال: أول شهيدة استشهدت في الإسلام سمية أم عمار. قال: وأول من أظهر الإسلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وأبو بكر، وبلال، وصهيب، وخباب، وعمار، وسمية أم عمار .
زواجها:
كانت " سمية بنت خياط " أمة لأبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، تزوجت من حليفه ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس العنسي. وكان ياسر عربياً قحطانياً مذحجيًا من بني عنس، أتى إلى مكة هو وأخويه الحارث والمالك طلباً في أخيهما الرابع عبد الله، فرجع الحارث والمالك إلى اليمن وبقي هو في مكة. حالف ياسر أبا حذيفة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وتزوج من أمته سمية وأنجب منها عماراً، فأعتقه أبوحذيفة، وظل ياسر وابنه عمار مع أبي حذيفة إلى أن مات، فلما جاء الإسلام أسلم ياسر وأخوه عبد الله وسمية وعمار.
تعذيب المشركين لآل ياسر:
عذب آل ياسر أشد العذاب ؛ من أجل اتخاذهم الإسلام ديناً الذي أبوا غيره، وصبروا على الأذى والحرمان ؛ الذي لاقوه من قومهم، فقد ملأ قلوبهم بنور الله-عز وجل- فعن عمار أن المشركين عذبوه عذاباً شديداً فاضطر عمار لإخفاء إيمانه عن المشركين وإظهار الكفر وقد أنزلت أية في شأن عمار في قوله عز وجل: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾.
وعندما أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال:ما وراءك؟ قال : شر يا رسول الله! ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير! .قال: كيف تجد قلبك؟ قال : مطمئناً بالإيمان. قال : فإن عادوا لك فعد لهم .
هاجر عمار إلى المدينة ؛عندما اشتد عذاب المشركين للمسلمين، وشهد معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، وبيعة الرضوان ، والجمل واستشهد في معركة صفين في الربيع الأول أو الآخر من سنة سبع وثلاثين للهجرة ، ومن مناقبه، بناء أول مسجد في الإسلام وهو مسجد قباء .
وقد كان آل ياسر يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة وكان الرسول الله - صلى الله عليه وسلم- يمر بهم ويدعو الله -عز وجل- أن يجعل مثواهم الجنة، وأن يجزيهم خير الجزاء .
عن ابن إسحاق قال: حدثني رجال من آل عمار بن ياسر أن سمية أم عمار عذبها هذا الحي من بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم على الإسلام، وهي تأبى غيره، حتى قتلوها، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة، فيقول: صبراً آل ياسر فإنّ موعدكم الجنة .
وفاة سمية رضي الله عنها
نالت سمية الشهادة ؛ بعد أن طعنها أبو جهل بحربة بيده في قُبلها ، فماتت على إثرها.وكانت سمية حين استشهدت امرأة عجوز، فقيرة، متمسكة بالدين الإسلامي، ثابتة عليه لا يزحزحها عنه أحد ، وكان إيمانها الراسخ في قلبها ؛ هو مصدر ثباتها وصبرها على احتمال الأذى ؛ الذي لاقته على أيدي المشركين .
مصير القاتل:
أبو جهل هو عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، ويكنى بأبي الحكم . كان من أشد الناس عداوة للإسلام والمسلمين، وأكثرهم أذى لهم . وقد لقبه المسلمون بأبي جهل؛ لكثرة تعذيبه المسلمين وقتله سمية، ولكن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل .
قتل أبو جهل في معركة بدر الكبرى، حيث قاتل المسلمون المشركين بأسلوب الصفوف، بينما قاتل المشركون المسلمين بأسلوب الكر والفر. طعن أبا جهل على يدي ابني عفراء، عوف بن الحارث الخزرجى الأنصاري، ومعوذ بن الحارث الخزرجى الأنصاري، رضي الله عنهما، ولكنه لم يمت على أثر طعناتهما بسبب ضخامة جسده، ولأن ابني عفراء كانا صغيرين بالسن، لكنه لفظ نفسه الأخيرة على يد عبد الله بن المسعود الذي أجهز عليه. ولقد استشهد ابنا عفراء في هذه المعركة رضي الله عنهما .
قال عبد الرحمن بن عوف "رضي الله عنه ": إني لفي الصف يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سراً من صاحبه: يا عم! أرني أبا جهل! فقلت يا ابن أخي! ما تصنع به؟! قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه. قال لي الأخر سراً من صاحبه مثله، فأشرت لهما إليه، ((فشدا عليه مثل الصقرين،فضرباه حتى قتلاه ))
بعد مقتل أبي جهل، قال النبي صلى الله لعمار بن ياسر: قتل الله قاتل . أمك
الدروس والعبر في سيرة حياة سمية:
" سمية بنت الخُياط "هى من أهم المجاهدات المسلمات اللواتي احتملن الأذى والعذاب، الذي كان يلقاه المسلمون على أيدي المشركين في ذلك الوقت، وهي ممن بذلوا الغالي والنفيس في ذات الله تعالى.
كان إيمانها القوي بالله تعالى ؛ هو سبب ثباتها على الإسلام ورفضها ديناً غيره، فقد وقر الإيمان في قلبها ، وذاقت لذته وأيقنت أنه فيه سعادتها في الدنيا والآخرة ، فوكلت أمرها إلى الله تعالى ، محتسبه وصابرة؛أن يجزيها الله تعالى خيراً على صبرها ، ويعاقب المشركين، ونستشف من قصة سمية أن الله سبحانه وتعالى يمهل، ولا يهمل وأنه مهما طال الأمد، فإن كل إنسان سوف يأخذ جزاءه عاجلاً أم أجلا
قد يكون رسمًا توضيحيًا
أعجبني
تعليق
إرسال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كيف أنّجو من غوصّي فيكِ

  كيف أنّجو من غوصّي فيكِ وصوتكِ يجعلني فيهِ غريق كيف أنقذ نفسي من جحيمكِ وهمسكِ يشعلّ في صدري الحريق كيف أجد السبيل الى خلاصي منكِ وكلما اه...