السبت، 25 نوفمبر 2023

 (الحلقة 13 من مرافىء الأيَّام/المواجهة/ ربيع دهام)

الثالثة بعد الظهر.
عقارب السَّاعة على الجدار فيما بينها تلعبُ.
فريد وعفيفة يتبارزان كما لو كانا في مناظرة انتخابيَّة.
كما لو أنَّ مصيرَ العالمِ كلَّهُ بات متعلِّقاً بهويَّة الفائز.
وكما لو أنَّ كل حواجزَ البُعدِ قد شُيِّدت، وضغائن الماضي
قد أُحْضِرتْ، ومدافع الحرب قد أطلِقَت.
كلَّما ألقى طرفٌ حجَّتَه على الآخر، اصطدمتْ الحُجَّةُ بجدارٍ
عازلٍ للحروف، فارتدَّت.
الرابعة بعد الظهر.
عقارب السَّاعة على حديثهما تَتنصَّت.
فنجانان مُتخمان بشراب اليقين كانا. يكفي لأحد الفنجانين،
أو لكليهما، أن يلقي بعض ما فيه من سائل، حتى يترك فراغاً، ولو
صغيراً، للسَّائل الآخر. لكن لا!
"أنتم في الحزب القومي ولاؤكم لسوريا لا للبنان"، تقذفه
هي بتهمةٍ، قد أطلقها سابقاً، جدُّها بوجه جدِّه. وأبوها على أبيه.
فيجيبها هو بتهمةٍ ارتداديَّة:
"انعزاليّون وستبقون كذلك. لو أجروا لكم فحص دم، لوجدوا كلمة "انعزاليَّة"، تفوح من دي-أن-آي خلاياكم".
جملةٌ كان قد قالها أيضاً جدُّه بوجهِ جدِّها، وأبوه على أبيها.
الخامسة بعد الظهر.
عقارب السّاعة من الملل والتكرار تتثاءب.
ويجرُّهما النقاش، أو هما اللذان يجرَّانه، من دفء الحبِّ الجميل وجنائنه، إلى حرارة الربع الخالي وصحاريها.
" وكيف لا تريدنا أن ننعزل وكلُّ من حولنا بيئة متعصِّبة
ومعادية؟"، تقول له.
" إذا كنتِ تقصدين التعصُّب الطَّائفي، فنحن في الحزب، أُؤكِّد لك، أبعد ما نكون عن ذلك. نحنُ لسنا محصورين بطائفة معيَّنة، بعكس ما أنتم عليه".
"على الأقل نحن ننتمي للبنان"، تقولها واضعةً نقطتها على السَّطر.
بكل ثقةٍ وهدوءٍ، يمدُّ يده، يقبض على النقطة. يرميها بعيداً عنه.
ثم يبتسم بسخريَّةٍ ويتساءل:
"ونحن من نُحِب؟ ولأجل من يسقط لنا شهداء؟ أليس دفاعاً عن لبنان؟".
تستلُّ نقطتها المرميَّة. تعود وتضعها على السَّطر.
ثم تجيبه بأسرع من طرفة عين، كأنَّ الحديث بينهما بات مكرّراً ويحفظانه أباً عن جَد، وعن ظهرِ قلب:
"وهل شهداؤنا قد سقطوا دفاعاً عن الهند مثلاً؟".
"طبعاً لا. ليس الهند. فأنتم لا تدافعون إلا عن الغرب"، يلدغها.
السّادسة بعد الظهر. العقاربُ تلدغ نفسها وبشدَّة.
يتملَّكها الغضبُ الشِّديد. تنتصبُ على قدميها وتقول:
" هكذا أنتم. تعتقدون أن كلَّنا معجبٌ بالغرب.
وهل أنا؟ هل أنا كذلك؟ أنا معجبةٌ بك أنت! فهل أنت غربي؟".
يخفض صوته محاولاً تدارك الأمر. "لا. أنا سوري"، يقول لها،
واضعاً ابتسامة ثقيلة على وجهه.
"بل أنت لبناني"، تُصحِّح له بعصبيِّة.
يعود وينزع الابتسامة.
السّابعة بعد الظهر.
العقارب، وعلى طريقة الساموراي الشهيرة، تحاول الانتحار
عبر غرز حدِّ العقرب الآخر بها.
"حسناً. أنا لبناني من سوريا الطبيعيَّة. أأعجبك ذلك؟"، يسألها.
"بل أنت لبناني فينيقي ومن الأمّة اللبنانية!".
السَّاعة السابعة بعد الظهر.
العقارب في صلاة طلوع الروح، تبكي وتنتحبُ.
" ما هذا يا عفيفة؟ خرجنا من الحرب السياسيّة ودخلنا الآن
حرب الهوَّيات؟".
" نعم. وهوّيتك هي كما قلتُ لك"، أفتتْ بكل يقين.
وضع رجلاً على رِجل، أخذ نفساً عميقاً و...
" أنت لبناني فينيقي!"، سبقته.
فسبقها هو في علو النبرة: " بل أنا سوري من سورية الطبيعيَّة".
ودار سباقُ اليقينيّات بين الإثنين، فتحمَّس التيّار....الكهربائي
ودخل السباق حين سبق كليهما في عنصر المفاجأة، ورحل.
رحل التيّار وأطبق الظلام سطوته على المكان.
دقيقة. دقيقة ونصف. دقيقتان.
وبعدها،
سُمع هسيس العقارب وهي تقهقه وتقول فيما بينها:
" يا ألله وأكبر! أخيرا صمتا".
أعجبني
تعليق
إرسال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كيف أنّجو من غوصّي فيكِ

  كيف أنّجو من غوصّي فيكِ وصوتكِ يجعلني فيهِ غريق كيف أنقذ نفسي من جحيمكِ وهمسكِ يشعلّ في صدري الحريق كيف أجد السبيل الى خلاصي منكِ وكلما اه...