قصة قصيرة (موجهة للأطفل)
في البطحاء
كنّا نُمَنّي أنفسنا و ندعو اللّه أن يكون "سي عبدالمجيد" في احسن حالاته دوْما ، فهو رجل تجاوز الخمسين من عمره، بدين، أسمر البشرة، ذو ملامح تنمّ عن شدّة و صلابة، لا يعجبه شيء، قلّما لاحت على وجهه ابتسامة. اللّعب في بطحاء الحي منوط بمزاجه، و حالته إن كان سعيدا مزهوًّا تَرَكَنا، و إن كان غير ذلك حَرَمنا و طَرَدَنَا...
و كأنّ اسبوعا غير كاف لينعم "سي عبدالمجيد" بالصّمت و الرّاحة، ماذا لو تنازل ليوم عطلتنا كي ننعم نحن أيضا باللّعب. فنحن ننتظر يوم عطلتنا بفارغ الصّبر لنهجر صمت أسبوع كامل بالتزاماته و واجباته المدرسيّة المرهقة...فبطحاء الحي هي المكان الوحيد الذي يمكن أن ترتفع فيه أصواتنا...
كم كانت كبيرة فرحتناعندما وصلنا خبر سفره إلى البلدة ليزور والدته، خلنا أنّ البطحاء هذا اليوم ملك لنا، و أنّ هتافنا و صراخنا لن يشدّه لجامٌ.
اجتمعنا منذ الصّباح الباكر على غير عادتنا، رسمنا خطوط التماس و كلّ الزّوايا المطلوبة بالملعب بمزيج سائل أبيض كنّا قد تدبّرناه، في الأثناء كانت حشود الأطفال تتوافدمع تقدّم الوقت. انقسمنا إلى فريقين بينما لزمت البقية أماكنها المخصّصة للجمهور...
انطلق اللّعب واشتدّ الحماس، مع كلّ ركلة صرخةٌ، و مع كلّ فرصة تصفيقٌ، و مع كلّ هدف فرحةٌ و عناقٌ. حتى جاءت الرّكلة الحاسمة، إما خسارة فريقي وانسحابه و إما تعادل و ركلات حظّ...تقدّم صديقي "هشام" فهو المختصّ في المخالفات فركلاته لا تصدّ و لا تردّ، ثبّت الكرة في مكانها، ثمّ تراجع إلى الوراء خطوات، جرى و ركل الكرة ركلة ادهشت الجميع حتّى خيّم على الملعب صمت رهيب، قَطَعَهُ صوت زجاج تهشّم... إنّه زجاج احدى نوافذ منزل " سي عبدالمجيد". لحظات فقط و خَلَتْ البطحاء من اللاّعبين و من الجمهور ،كأنّهم أشباح اختفت. كنّا نراقب من بعيد، و إذا "بسي عبدالمجيد" يظهر و الشّرر يتطاير من عينه مغمغما ساخطا و بيديه الكرة... صرخ فينا و كأنّه يعلم أننا كنّا نتابعه:" ألم أنبّهكم من قبل؟..العيب ليس فيكم بل في من ربّاكم... ! لو أنّكم راجعتم دروسكم لكان أفضل...هيا غادروا قبل أن أهشّم رأس أحدكم... ! "همسنا إلى بعضنا:
"بهذه الفعلة الشّنيعة ما نظنّ أنّ أقدامنا ستطأ البطحاء بعد اليوم".
لمّا رأيناه استدار راجعا إلى منزله، تشجّعت مجموعة منّا و عزمت على أن تذهب إليه و تطلب الصّفح، آملين أنّ ثورته قد هدأت.. ما إن سمع حثيث أقدامهم وراءه التفت إليهم و علت عبارات السبّ و الشتم تملأ فضاء السّاحة ،و إذا بالكرة نصفين حيث أقدامهم،
و دخل منزله متوعّدا "هكذا ستكون كلّ كرة تأتون بها...ان لم يكن أحدكم في المرة القادمة... !"
( الكاتب: فتحي بوصيدة)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق