ألغربة....
وتحدي الاخلاق
هذهِ قصةٌ حقيقية
من ذلك الزمن . .الجميل
بقلم وعد الله حديد
لندن1961
يومٌ خريفيٌ مشرقٌ و جميلْ ووجوهٌ يانعةٌ طافحةٌ بالبشرْ,هذا اولُ يومٍ تطأ فيه أقدامُ هؤلاءِ الطلبةِ اعتابَ هذا ألصرحِ ألجميلْ , مُختلفو لونَ البشرةِ والجنسِ والعقيدهْ , ينشدون العلم فوق هذه البقعة المميزة من القارةِ الاوربية,لابد ان ترقى جامعاتُ المملكةِ بالتعليم الى اعلى مستوياته .
هذا اليومُ مخصصٌ للتعارف ,إنها كليةُ الهندسة. إتخذَ من احدِ المقاعدِ الاماميةِ مقعداً له وتشاءُ الصدفُ أن تحتلَ طالبة المقعدَ الذي عن يمينهِ ,لقد كان اختيارُ المقاعد عشوائياً. مرت اسابيعُ على بدءِ الدراسة ,انتظم الطلاب ضمن ثُنائِياتٍ وضِمنَ مجاميع حسب انتمائاتٍ يتبنونها , الطالبةُ التي إحتلتْ مقعداً إلى جانبهِ من جنسيةٍ بريطانية ,
جليان كان إسمها ,هذا ماعرفه عنها في دردشةٍ عابِره .
وعرفت أنّهُ عراقي ,
وتمر الايام ويصبح محمودُ صديقاً لجليانْ من منطلق تقارُب مقاعد جلوسهما ثم يرتقي درجة فيصبح بإقتدارٍ أخلاقِي صديقاً للعائلة,لم يأتِ انتقاؤهُ من فراغ,إنه نوعٌ فريدْ , نوع راقٍ من البشرْ لم يتعد حدوده وهو ألغريب في بيتها وبين اهلها ونآى بنفسه بعيدا عن المساس بمشاعر واخلاق اي فرد من افراد العائلة ,فهذه العائلة لم تستضف من قبل احدا مثلما حدث معه,كان وضعه استثنائيا,لابد ان يكون محظوظا ,فعندما تكون في الغربة ويحتضنك اصدقاء ويعتبرونك فردا منهم عند ذاك سوف لن تشعر انك غريبا وسوف تعرف بعد حينٍ انك قد أُوتيتَ منزلةً وأصبتَ موقعاً لم يَحْضَ بمثلِهِ الاخرون .
وتمضي الايامُ ومثلُها السنينُ على عجلْ ,لقد أصابَ محمودُ موقعاً متميزاً ومودةً ليس في قلب ومشاعر جليان فحسب وإنما وقعتْ محبتَه في قلوبِ الجميع,ولم يكن والدها بمنأى عن الاهتمامِ بمحمود ,إنه يفكر ان يستثمر مودته بما هو اسمى من مجردِ مشاعر لا تغني شيئا ,إنه رجلُ أعمالٍ ذو عينٍ ثاقبةٍ وابعادٍ إستراتيجيةٍ يعرفها الأثرياءُ ذوي ألجاهِ من البشرِ اكثرَ من غيرهم ,لقد رأى محمودَ عن قربْ وتفحّصَه نزولا إلى أدّقِ ألتفاصيلِ مُتناسياً إختلاف العقيدة وعرِف بل إطمأن في قرارة نفسه انه هو الرجل المناسب ليتزوج ابنته ويؤهله بعدها لادارة مؤسسته التي اثقلت كاهله رغم انه لم يزل في منتصف الخمسينات من سني عمره.
أراد بإصرارٍ ان يُصبحُ محمودُ إبناً ومُؤازراً له بإقترانهِ بإبنتهِ إنها فرصَته ُالفريدة التي لن تتكرر فهو لم يُعقبَ ذكوراً بل إناثاً ثلاثْ هُنّ نصيبَهُ من الدنيا ,ذلك هو قدَرَهُ.
ولكنه لم يستطعِ الأفصاحَ عن مكنوناته ,وأبقى ذلك سراً عسى أن يبادر محمود أو تبادرَ إبنتهُ بطرحِ ألموضوعْ. لم يزل الوقت مبكرا للحديث في هذا المجال وليس هنالك من داعٍ الآنَ على اقل تقدير للافصاح عما يدور في خلده فالسنة الدراسية الاخيرة لم تزل قائمة .
في اواخر ايام الدراسة أسَرّتْ جليان محمود بشيئٍ وهي تهمس له بكلمات لاتكاد تُسمع: ارجوكَ ان تحتفظ بهذه الرسالة لحين عودتك الى الوطن ولا تحاول فتحها إلاّ وانت في بيتك.
ودسّتْ الرسالةَ في احدِ دفاترهِ وهي تشيح بِوَجهِها عنه ولا تحاول أن ترى ردة فعله أيّاً كان شكلها .
ونسيَ محمودُ أمرَ الرسالةِ لكِنَها لم تزل تقبع في أحدِ دفاترهِ .أنتهى العامُ الدراسيُ الأخيرُ ومرت الأمتحاناتُ بسلاسةٍ ومقدرةٍ تامتين وهاهي ذي درجات التقييم على وشكِ الظهور . تمكن محمودُ ان يجتازَ الامتحاناتَ بجدارةٍ وان يكون الاول على دفعته واستطاعت جليان ان تجتازَ الامتحانَ بدرجة جيد,ربما يُعزى تفوقُهُ إلى نشاطه ومثابرته اولاً والى الدعمِ المعنوِيُ ألذي لقيهُ من جليان وأُسرتها فأتى ذلك ألدعمُ أُكُلهُ فأصبحَ متفوِقاً .
وأصطحبَ الجميعُ محموداً إلى المطار كي يودعونه ,حان الوقتُ ان يسدلَ الستارُ عن قصةٍ عُرفتْ نهايتها منذ بدايتها ,لابد للغريبِ فَظُّ قيدِ الغربةِ والتحررِ من أسرِها,,ولكن هل هذا هو كل شيئ , وحلقت الطائرة شرقاً بإتجاه مطلع الشمس , ومع هديرِ أصواتِ محركاتِ الطائرةِ إنهمرتْ أدمعُ جليانْ وْأجهشتْ بالبكاءِ بِصوتٍ لايمكنُ تجاهلَهُ من قبل الاخرين ,مما حدا بوالدتها ان تضُمّها إلى صدرها تكفكف دموعها وتهدأ من روعها وتحاول ان تقنعها ببضع كلمات على ان ماحصل عادي جدا ولا يرقى الى مستوى التشنج والحزن وان الغريب لابد ان يعود يوما الى وطنه مهما طال به البعد .
إنزوى محمودُ في أحدِ أركانِ ألغرفة ساهماً ,يحاولُ أن يُشغل نفسه بأّي شيئٍ وسافرَ بعيدا بِأفكارِهِ وشعرَ بغصّةٍ تخنُقهُ ولم يكن ممكناً ان يُداري حالته عن أُمِهِ ألتي جلست غير بعيدة عنه,لقد سبق وان صارحها بما يجول في خاطره وانه يفكر بالعودة الى لندن والاقتران بالفتاة التي احبها وشعر معها ومع أفراد عائِلتِها بالمودة والامان,
وجاء الردُ مثلَ خنجرٍ إستقرفي خاصرته ,قالت وهي في أشدِ حالاتها ألماً وتَوجعاً, لك أنْ تختارَ بيني وبين من تحب والتي تريد أن تتركني من أجلها ,حان الوقت أن تضعنا نحنُ الأثنتين في كفتي ميزانٍ وعليك أن تُرجِحَ إحدى ألكفتين .
بِضعُ كلماتِها أثارتْ في قلبه أللوعة بِأبشَعِ صورةٍ لها.
شعر معها أنه أتعسَ إنسانٍ على وجه الارض ,كيف له أن يتصرف,إنه يواجه معضلةً يندرُ ان يمر بمثلها إنسانٌ مرة واحدة خلال سني حياته ,إن عليه أن يوازي بين حبه لأُمه وبِرُّهُ لها وبين لهفته لحبيبته وإيفائه بوعده,أحَسّ انه الخاسرُ الوحيد ُفي هذه ألمسألة المتشابكة ,ولمعت في رأسه فكرةٌ ربما تكون مجدية ,لم لا يُشركُ أبيه في إبداء رأيه ,بانت تلك فكرة ساذجة ولا يمكن ان يكون للوالد رأي ,أيُّما كان ذلك ألرأي.إنّ الأمر مناطٌ بأُمِهِ حسب رأيهِ وليس أبيهِ سوى عنصراً محايداً .
وبقي صامتا..وتذكر شيئاً ربما سيقوده إلى بعض حل ,إنه غارقٌ حتى أُذُنيهِ في بحرٍ متلاطمِ ألامواجِ وأنّ قَشّةً يمكن أُن تُنجيه من ألغرق,
إنها رسالة جليان تلك الرسالة ألتي أوصت بعدم فتحها إلاّ وهو في بيتِهِ,بين أهلهِ .
تُرى ماذا يمكن ان تنطلي عليه رسالتها وهل من بارقةِ أملٍ بمجرد حل.
هاهي الرسالةُ بين يديه.وبدأ بقرائتها :
وبدون أيِّ تمهيدٍ ,إسترسلت بالحديث وكأنها تكتب في منتصف الرسالة ,يخالجها شعور بوطأة الحزن والم البعد الذي ينتابه في الوقت الذي يبادر فيه لقراءة الرسالة.
قالت . .
سوف لن احب سواك ,ولن يملأعيني زوجاً غيرك مهما امتدت بي الحياة.
ولو خيرتني أُسرتي بين أن اتزوجَ أميراً او ان يعلن الجميع قراراً بإبعادي عن الوطن لاخترت الابعاد على ان تضمني يدان غير يديك اوتلامس شفتاي غير شفتيك.او ان تعرض مفاتني على عينين ليستا عينيك لقد لامس حبك شغاف قلبي وكان وقعه قويا ,واهتز على اثره كياني مثل زلزال اصاب وطنا لم يكن ذلك الزلزال متوقعا, كانت الاعوام المنصرمة التي قضيتها قريبة منك تكفي ان اعرف حقيقتك ,ان اقف على دواخلك بالتفصيل الممل وادركت حينها ان لا مناص من فتح باب القلب لك وحدك ذلك الذي ظل اعواماً موصداً تجاه من حاول جاهداً اقتحامه. أنت قدري,,حل بي ذلك القدر دون موعد,لم اعرف الحب يوماً ولم اُمَنّي النفسَ بشيئٍ ولم احلمَ قَطٌّ بفارسِ أحلامٍ سوف يأتي ويصطحبني فوق صهوةِ جوادٍ أصهب,ولكن حضورك الذي حط في ديارنا مثل لمعان البرق أسَرَني وأرغمني ان أُعلن حالة انذار قصوى في نفسي وفي جميع حواسي فاختلطت الامور حينها وتشوشت افكاري وتنبأتُ ان شيئا كاريثياً سوف يقع ,وهاهو ذا قد وقع.
ليس جمال وجهك جمالا اسطورياً ولن يكون لون شعرك الاحمر فريد جنس وليست قامتك الفارعة مدعاة للاثارة والاندهاش,,فشباب مدينتي يمتلكون مقومات جمالية مثل تلك التي في حوزتك ,تلك هي مميزات عامة في وطني لا تقل جذبا ولا تاثيرا عنك, ولكن , وعندما تكون انت في الكفة الاخرى من الميزان فسوف ترجح بك الكفة لا محالة ,هل عرفت السبب,انها احكام القلب ,وما يسُنُه القلبُ يأتي العقلُ طائعاً لينفذ اوامره .
إجتاحني إحساس قوي انك خلقت من اجلي هنالك من الدلائل مايثبت صدق حدسي وعقلانية تنبوئاتي,.جميع مكوناتك لايمكن ان يتصف بها احدٌ غيرك ,لايمكنني ان اصفك فربما جاء وصفي لك باهتا وبهذا اسيئ اليك والى نفسي عن غير قصد ,انت اجمل بعقلك وطيبة قلبك ومجمل اخلاقك التي لها الثقل الاعظم في رجحان كفتك على الاخرين .
انت جدير بي ,انك عملة نادرة وانا بالمثل جديرة بك فانا المعدن النفيس هل عرفت معنىً للمعدن النفيس ,انه الشيئ الذي لم تدنسه ايادٍ كثيره لندرته اولا وغلو ثمنه وصعوبة التمكن منه ,وهذا ماأتصِفُ به عن تواضع وخُلُقْ . إن يدي لم تمتد الى رجلٍ لمجرد ان تصافح يده وهاهو جسدي قد نآى عن الابتذال والعري .
وتلك هي لياليّ قضيتها بين اعضاء اسرتي ولم اخطو خطوة واحدة خارج منزلي من اجل صحبة او سهرة او..
إنها تقاليد العائلة الموغلة في الصرامة,فالبحر بلبسه الفاضح والاختلاط بين الجنسين والمشروبات الروحية والحفلات الماجنة الممتدة الى الفجر كلها موبقات لا شأن لنا بها ولم تدخل حياتنا ابداً وابوابنا موصدة ازائها ,اننا وأُسرٌ كثيرة في هذه البقعةِ من الوطن نَتبِع النهجَ نفسه .
اشعر بقرارة نفسي انني ملكك وحدك وسوف لن اسلم ملكية نفسي لشخص سواك ,
لاتخذلني
ان اهلي سوف يحزنون فيتألمون فيلزموا الصمت بعدها حين تقرر الرحيل وتتركني..ولكن اياك ان تفعلها وتخذلني امام نفسي عندها سأهجرُ الحياةَ بعزها ومباهجها ,
سأعود فقيرةً رغم ثراءُ أبي ويخوته وبنيانه واهنة رغم سطوته وسلطانه وضْيعةً بلا جاه رغم صيتُ عائلتي التي عانقت الافاق,
فإن فعلت وخذلتني فاعلم ان جذوة النار في قلبي سوف تخمد ولكن لن تنطفئ وسوف تغمرني الحسرة والندامة بأنك نكثت العهد .
.عندها سوف اعلن حالة الطوارئ مع نفسي وافصح انتمائي الى حظائر المشردين ,ساكون مشردة وسوف ابادر حينها الى اقرب نهر حتى أُلقي بأوزاري عنده أو ان اتخذ من الانفاق مأوىً واعيش على الفتات , و ازاحم القطط والكلاب في طعامها .
وعندما يدركني الوهن وتهترء اجنابي من الرطوبة جراء النوم على الارض وتغادرني نصف ذاكرتي عندها سوف استعين بنصف ذاكرتي الاخر على تذكر تفاصيل وجهك وطلعتك البهيه بحسرة والم شديدين وسوف انآى بنفسي عن موال اسمه الندم فذلك هو قدري وأنا التي أخترته بمحض ارادة رعناء.
ولم تأتِ الرسالة بجديد.انها رسالة لمجمل المشاعر التي تتبناها جليان وهذا ليس بغريب على كليهما ,ولكن كلماتها قد زادت في الطين بلّة,إنه أحوج مايكون الى من يهديه سواء السبيل ويطلُعَ عليه بمجرد حلٍّ لا ان يُقَلبَ عليه المواجع ,ترى هل ينتظر حلا منها ام هي التي تنتظر مبادرته.
أعاد الرسالة الى مظروفها وشعر بإجهادٍ وقهرٍ شديدن وحاول جاهداً ان يداري وضعه عن انظار امه لكنها أمٌ ولن يخفى على الام شيئ,فالام ترى في ابنها ما لا يمكن للاخرين ان يروه,انها الفراسة ,
وساد صمتٌ رهيبٌ على المكان ,لقد اعياها منظرُ إبنها وهو يتألم ,ويكاد يغوص في مقعده وكأنها علمت ما يعتمل في صدره وما يمكن ان يكون قد أثار مواجعه وهو منهمك بالقراءة ,ولمعت في رأسها فكرة قد تروق له وتنتشله من حالةِ الياس والحسرة التي هو فيها , هاهي ذي أُمهُ تُملي عليهِ رأيها بكلمتين . .
إنفرجت شفتاه عن ابتسامة وتهلل وجهه وسرى الدم في وجهه وفي عروقه , لقد رضي مبدئيا بما اقترحته أمه,وشعر ان قد اكتسب جناحين وحلق بهما عاليا,احس انه تخلص من الجاذبية واصبح لاوزن مادي له.
لملم أشيائَهُ وأكملَ تحضير حقائبه وأنحنى بل تهاوى على أمِهِ يحتضنها ويُقبلُ رأسها ,وعلم والده بالامر فأطمأن له ,نعم إطمأن والده للفكرة التي اوحت بها أمُ محمود والتي جاءت حلا مناسبا يرضي الاطرافَ جميعاً .
ترى ماذا يمكن ان ينطوي عليه ذلك الحل ,وماهي الفكرة التي جعلت محمود يتهيأ للسفر على عجل ,أليس بالأمكان أن ينتظر يوماً آخر بجوار أُمه وابيه ثم يعلن عن رغبته في الرحيل.
إقتربت الطائرة ُمن المطار وبدأ قلب جليان يضرب بعنف بل يريد ان يتحرر من صدرها ويلاقي حبيبها على سلم الطائرة ,ولم يخفَ الامرُ عن أُمها وأبيها وعن أُختيها ,إن مشاعرها وأحاسيسها كانت على المحك في تلك اللحظة ,لقد إنقلب وضعهُا وأهتزَ كيانُها وأعترتها رعشةٌ خفيفة, وراودتها بضعة اسئلة خلال درج الطائرة على المدرج الثانوي,وحدثت نفسها ترى ماذا يحمل محمود في قلبه وفوق لسانه,هل لديه من المشاعر مثل التي لدَيَ ,هل ان لديه من الاخبار ماهو منعش للنفس فيشفي به غليلي,ترى مالذي جعله يعود إلينا ولم تمض سوى بضعةُ ايامٍ على مغادرته لنا ,ولماذا لم يشأ أن يخبرنا عن سبب عودته بل اكتفى بابلاغنا بموعد قدومه.
ألقى التحية على الجمع الذي كان بانتظاره ,ابتسم ابتسامته المعهودة والتي تنم عن مدى فرحته بلقاء العائلة وتمتم ببضع كلمات وعلم الجميع ان في جعبته اخبار سارة ولكن الافصاح عنها مؤجل لحين الوصول الى المنزل, لم يعد هذا الكون الواسع ان يتسع لجليان ,لم تعد الفرحة كافية كي تصف بها حالتها ,واستقر الجميع في سيارة فارهة شغل مقعدها الامامي أُم ُجليان وضيفها والوالد الذي تولى القيادة واحتلت البناتُ المقعد الخلفي .
وحطوا الرحال في البيت ,وكان كل فرد منهم يُمَنّي النفس ان يبادر محمود فيطلق الدرر من فمه ,تلك الدرر التي انتظرها الجميع أياماً معدوداتٍ كأنها ردحا من الزمن ,
واخيراً ,,ومع إبتسامته التي لاتفارق محياه خرجت الكلمات من فمه بسلاسة وعفويه . .
قال
كان لابد لي ان اعرف رأي أُسرتي في موضوع زواجي , صحيح انني من سيتزوج ولكن لي أبٌ وأمٌ وأسره , إنه لمن المنطق ومن الاخلاق أن أستشيرهم في مشروع العمر ,الزواج مشروع بالغ الاهمية والقرار فيه يجب ان يكون باتفاق الاراء , انا لست بقاصر ولكن لأبي رأيه ومشورته ولأمي مثله ,
وتوقف برهة قبل ان يكمل حديثه ,
لن اطيل عليكم ,,,لقد جئتكم اليوم بخبر اعرف مسبقا ان سيفرحنا جميعا ,إنه يشرفني ويزيدني فخرا ان طلب يد ابنتكم جليان للزواج , وان اكثر مايحزنني في هذه اللحظة التاريخية هو ان يغيب عن المشهد امي وابي ,
ضَجّت الصالة في حالة من الهرج والصياح وطفق الجميع يقبل بعضهم البعض .انها ساعة التقى فيها الشرق والغرب وتعانقت القيم والمبادئ والديانات وانتصر الحب وتفوقت ارادة الاخلاق التي تبناها الطرفان.
واقبل الوالد يعانق محمود بحرارة وهو يهمس لنفسه,لقد حصل ذلك الذي رغبته من قبل وهاهو يحصل الان على مرآى ومسمع من الجميع,,كم انا محظوظ يا الله.
وهنأ محمود أختي جليان وتمنى لهما حظا سعيدا وأقبل على ألأمِ يهنئها وهي تزهو في سعادة وحبور ,وكان لجليان النصيب الاكبر من الاهتمام والابتسام .
وانبرى محمود ليكمل حديثه ,
لا أعتقد أن أحدكم سيمانع في ان اصطحب جليان لنتزوج هناك في وطني, تلك هي رغبة والدتي ونحن نقيم للوالدة وزناً ونعتبر رغباتها اوامر ,
لم يكن هنالك اي رد فعل من العائلة على بضع كلماته الاخيرة,بل عقب والدها على كلام محمود قائلاً
إن من يحترم أُمَه وأبيه بهذا الشكل يستحق منا اعظم تقدير وأجّلَ إحترام ,لقد اصبحت صورتك اكثر اشراقا في نظري,انك تستحق ان تتزوج من ابنتي بجدارة وسوف لن اندم على فعلتي وانا على قيد الحياة, مبروك لك إبنتي العزيزة وأرجو أن تسامحينا بأننا رضينا لك الغربة فالقرار لك أولاً وهو لك آخيراً.
هنأهُ ألجميع والتفتوا نحو جليان كي يباركوا لها وهم في حالة من الفرح ألذي لا يُدانى متمنين التوفيق لهم.
تزوجا في بغداد بحضور الكثير من اهلِ محمود والاصدقاء وحضرت من لندن العائلة جميعها .
وعاشا بسلام وامان تجمعهما مشاعر واحاسيس طاغية ,فالشعور بالغربة لم يكن له مكان في حياة جليان,انها بمجرد ان تكون في كنف هذا الرجل فلا غربة ولا حسرة يمكن ان تعكر صفوها ,
انجبت اجمل طفلين خلال السنوات الاولى من الزواج وتمكنت ان تتقن اللغة العربية كما تمكن طفليهما من إجادة اللغتين عن جدارة ,
وتستمر الحياة دون منغصات بادئَ الامر ,
ولكن لابد ان يكون هنالك حضور للقدر بشكل او باخر فالقدر هو الحياة ,وانك عندما تحيى فانك تخطو خطواتك بقدر ,انه ملازم لنا دون علم منا,وكيف يمكن ان نمشي تحت اشعة الشمس دون نترك ظلاً .ظلنا هو ما يشبه القدر ولا يمكن ان نتغافل عنه ونتركه في البيت. .
ويستقر محمود وزوجته اخيرا في لندن ,لقد فارقت امه الحياة وكذلك ابيه في فترات متقاربة ولم يعد هناك مايجبره على البقاء في بغداد,لابد له ان ينصف زوجته واهلها ويرد المعروف لهما فلا مسوغ بعد اليوم ان يُبقي زوجته بعيدة عن اهلها ,لقد ضحت من اجله وتحملت البعد عن اهلها عن طيب خاطر وهاهو ذا الوقت الذي يجب ان يرد الجميل بأحسن منه وان يكافئها على صبرها وتحملها الغربة طيلة السنين الماضية ,
إلتم ألشملُ من جديد وفرح الوالد ,هاهو يحتضن إبنته ويضم طفليها الى صدره بعد طول فراق لكن فرحته جاءت باهتة ومؤجلة ففي قرارة نفسه ان لم يعد في العمر بقية كي يهنأ بابنته وطفليها .انه يقارع السبعين من عمره وتلك هي سنٌ حرجةٌ لامكان للبهجة وللفرح مكان كبيرفيها ,ان مابقي من العمر لايَسُّرُهُ ,
الاخلاق موزعة بين أُلفةٍ ومودة مجردةً من أيّةِ مصلحةٍ وبِرُ الوالدين بأبهى صورة له والاحترام والاهتمام المتبادل بين ألأطراف وتقبل ثقافات الاخرين ومعتقداتهم هي أكبر وأعتى تحدٍ يمكن ان يواجه الانسان في حياته, كان محمود يعيش ذلك التحدي بأجملِ صورِ ألتحدي على مدى السنوات الاخيرة التي قضاها في ديار الغربة وهاهو ذا ينتصر في ذلك التحدي ,لقد نجح باختبار أمِهِ التي اشارت عليه ان يتزوج وهو قريب منها وفاز بقلب حبيبته برفعة اخلاقه ونأيه عن اي ابتذال بالكلام او بغيره واحتل مركز الصدارة بين اقرانه من الطلبة بجَلَدِهِ وتفانيه وهاهو ذا يغزو قلب والدها باحترامه لخصوصيات العائلة وهو مجرد ضيف ,والدها الذي قلما تثنيه المشاعر عن التفكير باي شيئ من منظور مادي.
وعد الله حديد
محمود (وهو يَمُتُّ لي بصلةِ قربى) غادَرَنا الى الدار الاخرة
في العام 2020
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق