الإنحراف العاطفي وعضل البنات:
.
ـ موضوع للمناقشة والإثراء ..
.
العضل لغة هو المنع مطلقا، وأمّا اصطلاحا فهو منع المرأة من الزواج ظلما وعدوانا سواء كانت المرأة بنتا أو أختا أو زوجة مطلقة . وقد نهى الله عنه، وحذّر منه متوعدا فاعله بالعقوبة النكراء، قال تعالى: ((فلا تعضلوهنأن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر )) البقرة 232، لقد حرّم الله على أتباعه هذا السلوك المشين المخالف للطبيعة البشرية لما يترتب عليه من أضرار نفسية واجتماعية لا يتسع المقام لبسطها.
أمّا الانحراف العاطفي فهو أن تخرج العاطفة عن طبيعتها الى طبيعة أخرى مرضية، كأن يتحول حب الأمومة لدى طفل متبنى إلى رغبة في تملك مربيته و النظر إليها نظر الحبيبة التي ينبغي أن تكون له زوجة يمارس معها الجنس، أو كانحراف عاطفة الأبوة انحرافا مرضيّا يجعل الأب ينظر إلى ابنته نظرة العاشق الولهان الراغب في ملك ابنته عشيقة متمنيّا إشباع شهواته معها، و قد يتحقق ذلك في الواقع، وقد يظل أمنية، و كانحراف عاطفة المراهق اتجاه أستاذته التي أحسنت إلية لأسباب موضوعية كاليتم ..
وقد بحث المختصون من الفقهاء وعلماء الاجتماع في أسباب العضل وعزوه إلى أسباب دينية وأخرى مادية واجتماعية . طبعا كل تلك الأسباب التي بسطوها هي أسباب وجيهة، إلا أننا في القضايا الاجتماعية والإنسانية لا يمكن أن نطلق الأحكام ونعمّمها، واللبيب هو من ينظر إلى خصوصية العينة التي يقوم بدراستها، منطلقا من ضرورة الاختلاف والتفاوت بين البشر.
ما يهمّني في هذا المقام هو التركيز على السبب النفسي للعضل، ودور الإنحراف العاطفي في هذا لقد أغفل الباحثون العرب الخوض في الانحراف العاطفي، لأسباب اجتماعية ودينية وأخرى أخلاقية .
يؤسفني أن أصدم القارئ بالحقيقة العلمية، وهي أن بعض الآباء يمنعون بناتهنّ من الزّواج للإنحراف العاطفي الذي حصل عندهم لأسباب تمتد جذورها الى الطفولة الأولى، إنهم يعشقونهن عشقا مرضيّا، فلا يتقبلن أن يسلّمن العشيقة إلى رجل آخر مختلقين عشرات الأعذار للاحتفاظ بها، ولكن ما أصل المشكلة ومن أين تبدأ؟
المشكلة تبدأ من الطفولة الأولى حيث ينشأ الأب المريض محروما من الحنان والاهتمام والمعاملة الحسنة، في مجتمع لا يرحم، لم يجد فيه إلا الكبت والحرمان والازدراء، فينشأ هذا الطفل ـ الرجل في المستقبل ـ ناقما على مجتمعه مبغضا له عازفا عنه إلا لضرورة، وقد ينخرط في مجتمعه شاذا يحصل على الحنان من الشواذ المنحرفين، يكون لهم في الغالب مفعولا به، وحين يكبر ويتزوج ويرزق بابنته أو بناته، فإنه يجد فيهن الحنان الذي فقده في مجتمعه، والمؤكد أن واحدة منهن تثير انتباهه أكثر بطاعتها إياه وبقربها منه وخدمتها له وتفانيها في ذلك، أمّا إن كنت الأجمل فتلك الطامة الكبرى.
بمرور الزمن تنحرف عاطفة الأبوة عن مسارها الطبيعي و تتغلغل البنت إلى عقله الباطني أنموذجا رائعا للحبيبة التي حرمته منها أوضاعه، ثم تتحول أنموذجا للزوجة المثالية التي طالما حلم بها، وهكذا يتمكن عشقها منه، غير متقبّل أبدا أن تؤخذ منه. وأن تكون للغير.
وهنا يعيش صراعا رهيبا بين ما تشعر به ذاته المريضة، وما يفرضه المجتمع من قيم دينية وأخلاقية، وهو ما عبر عنه فرويد بـ ( الأنا الأعلى ). إنّه في خضم هذا الصراع لا بد أن تتغلّب أحدى القوتين على الأخرى، فإن تغلّبت مشاعر الذات المريضة ورغباتها، فقد لا تسلم البنت من تحرشاته، ومن الاعتداء الجنسي عليها، وقد يحول ذلك عنفا منه رغبة في تعذيبها إذْ هي لم تتفهم نظراته ورغباته الخبيثة ولم يجد فيها اللين والمطاوعة، أمّا إذا تغلبت القوة الأخرى ـ سلطة المجتمع بقيمه وأخلاقه ـ فيكتفي مرغما بأن يعيش عشقه متحسرا في صمت، لكن سيظل رفض زواج المسكينة هو ديدنه ما دام على قيد الحياة.
قد يتقدم إلى إحدى أخواتها خاطب، فيبادر إلى الرفض تمويها وخداعا وتغطية لعشقه المرضي، يفعل ذلك حتى لا يكتشف أمره، وبعد إلحاح بسيط سيلين ويوافق، إذ لا مشكلة مع الأخريات، وتظل العشيقة المسكينة هي وحدها المسيطرة على وجدانه، وهي وحدها التي لا يمكن أن يسمح بها لغيره.
.
محمد الفضيل جقاوة
21/02/2022

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق