( الشاشة القاتلة)
قصة قصيرة من كتاب
( الأرض الطيبة)
بخلاف ما كان مخطط له ،
انتهى بهم الحال لقضاء هذا الأسبوع الأخير بتلك الشقة الضيقة ، التى تتكون من حمام و غرفة واحدة بها كنبتان و مقعد واحد و شاشة تليفزيون عريضة مقاس ٢١ بوصة و نافذة واحدة و مطبخ لا يكاد يتسع سوى لشخصين بجوار البوتاجاز ، كانت الأسرة مكونة من الاب و الأم و طفلان أكبرهما فتى فى الحادية عشر من عمره و فتاة عمرها سبعة أعوام كان الوقت مملا ، لا يوجد انترنت و لا أماكن للخروج و لا حتى مجلات أو كتب ، الأب يخرج لإنهاء مهمته و يعود عصراً ، الأم تصحو مبكراً تعد الإفطار للجميع و تغسل بعض الثياب و تبدأ فى تحضير الغداء
و بعد الغذاء يرقد الأب و الأم على كنبة و الطفلان على الأخرى أو يتصارعون على المقعد الخشبى ، يمسك الأب بجهاز التحكم للتلفاز و يبدأ فى تقليب القنوات أفلام تافهة ، أخبار مشكوك فى صحتها ، إعلانات كاذبة ضارة ، حتى البرامج الدينية تتحدث فى عالم الجن و وجوب طاعة الحاكم و البرامج الثقافية لا تذكر سوى دعاية لكاتب أو مخرج ما أو يتحدث أحدهم فى أصول الفن اليونانى و علاقته بأدب الستينات !! و هكذا حتى ينام الأطفال اولا من ثم أمهم و حتى يقع من يده الجهاز و يقع هو نائماً ، و يظل التلفاز على نفس القناة و لكن فى وضع السكون المظلم ، و بعد ثلاثة أيام سمعت الأم ابنها يسب أخته بلفظ بذىء فاحش ، كان هذا اللفظ تكرر مرتين على الأقل فى فيلم كان يعرض بالأمس ، خرجت تهرول من المطبخ لتؤدبه ، اتسعت عيناها .. شهقت بصوت مرتفع و ضربت بيدها على صدرها بقوة
ايه القرف ده يا بنت !! كانت بنتها تتلوى بملابسها الداخلية و تهز جسدها بشكل طفولى و لكن خليع ، أمسكت الأم بعنف بجهاز التحكم و قامت بتغيير قناة الافلام هذه و أتت بقناة أطفال و كلما أصبح لهوهم كأطفال أكثر إزعاج أو عنفاً ؛ فتحت لهم قنوات الأطفال حتى لمحت ابنها يضع يديه فى مكبس الكهرباء ليطير فى الهواء كما شاهد فى كارتون الأطفال ، لاحظت أيضا أنهم أصبحوا فى واد أخر ، تناديهم لا يردوا ، تحدثهم و هم غير منتبهين ، يأكلوا أى شىء بلا عدد و بلا تفريق طعم عن طعم ، و أعينهم الصغيرة صارت أكثر إحمراراً حيث يفتح التلفاز من استيقاظهم صباحا حتى يعود ابيهم بعد حوالى خمسة ساعات
عاد الأب و أمسك بجهاز التحكم و صارت زوجته بجواره مثل مراقب الإمتحان كلما ظهر مشهد غير لائق أو لفظ خارج أو فكرة قد تمثل خطرا لو قام الاطفال بتجربتها - غمزت زوجها باصبعها فى كفه بلطف فقام بتغيير القناة ، إلا أنهم وجدوا الساعات تمر و هم لا يستقرون أكثر من خمسة دقائق حتى يغير الزوج القناة بسبب تلك الممنوعات و تعددت الوخزات ، تأفف الزوج و ألقى بجهاز التحكم بعيداً بشدة فارتطم بالنافذة و توقف عن العمل و من شدة الرمية انفتح زجاج النافذة ، بعد لوم زوجته و نظرات أولاده المتعجبة ، قام سريعاً ووقف أمام النافذة كان وقت الغروب كان منظر الشمس البرتقالية الداكنة ، حدق النظر و مد عنقه للأمام ، مشت زوجته ناحيته ببطء ،و أمام هذا المشهد أمسكت بوسط زوجها و إلتصقت به ، استند الأطفال على أرجل والديهم فحملوهم ليشاهدوا الغروب و ما صاحبه من نغمات العصافير البديعة و قفزها بين الأغصان في هذه الساعة ، و فى دقائق امتلأت الغرفة هواء نظيف أشاع جو من البرودة اللذيذة فى الغرفة ، وقفت الطفلة على ركبة أبيها و نظرت بتعاسة لجهاز التحكم فى التلفاز و هو محطم من عند الرأس ، أستند الأب على قبضة يده اليسرى و قال :
- ما رأيكم فى لعبة جديدة
تهللت الإبنة فرحة و نظرت الأم بإعجاب و الإبن بلا مبالاة
بدأ الأب فى اللهو مع ابنته بألعاب بسيطة يدوية قديمة
كانت الإبنه تقفز سعيدة ، فأقبل أخيها بخطوات مترددة ثم أشترك معهم فى اللهو و ما هى إلا لحظات حتى إرتفعت ضحكاته مع تحديات أبيه له و تشجيع الإبنة لأبيها ، كانت الأم منهمكة فى خياطة شىء من ملابسها و لكن عندما نظرت لهم تركت ما فى يدها و أقبلت فى دلال و كبرياء ... لعبوا معا لأكثر من ساعة حتى طلب الأب أن يستريح فلم يسمحوا له ، انسحبت الأم فى خفة و بعد نصف ساعة توقفوا جميعاً عن اللعب ، صنعت لهم الأم طعام حلو ساخن رائحته شهية تجمعوا عليه حتى فرغ الإناء
همس الأب فى أذن زوجته ، فهزت رأسها رافضة ثم همس لها أخرى فقالت له : حاضر الأمر لله ...
- ما رأيكم فى قصة من قصص جدتكم ؟
إلتصق الإبن بأمه و جلست الإبنة فوق ساقيها فاحتضنتها أمها ، و بدأت تحكى لهم قصة ، و هم جالسون يترقبون كل كلمة و أعينهم متعلقة بملامح وجه أمهم التى تتغير بالسعادة أو الاستنكار تبعا للجزء الذى تحكيه ، و ما أن انهتها حتى تمسكوا بذراعيها متوسلين لهم أن تحكى أخرى حاولت الرفضت .. لكن مع توسلاتهم أخترعت قصة فى رأسها تشجع على الصدق و مساعدة الأم و أثناء قيامها بالحكى ناموا على ذراعيها ، وضع الأب الأطفال فى مكان نومهم و أسرع لزوجته بعدما ركل جهاز التحكم بقدمه و نظر لملامحها بإعجاب و ألقت بنفسها بين ذراعيه .
( تمت )
من المجموعة القصصية
( الأرض الطيبة) بقلم / مصطفى محمد علاء بركات
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق