الأحد، 9 يناير 2022

( الشاشة القاتلة ) قصة قصيرة من كتاب ( الأرض الطيبة ) بقلم \ مصطفى محمد علاء بركات

 ( الشاشة القاتلة)

قصة قصيرة من كتاب
( الأرض الطيبة)
بخلاف ما كان مخطط له ،
انتهى بهم الحال لقضاء هذا الأسبوع الأخير بتلك الشقة الضيقة ، التى تتكون من حمام و غرفة واحدة بها كنبتان و مقعد واحد و شاشة تليفزيون عريضة مقاس ٢١ بوصة و نافذة واحدة و مطبخ لا يكاد يتسع سوى لشخصين بجوار البوتاجاز ، كانت الأسرة مكونة من الاب و الأم و طفلان أكبرهما فتى فى الحادية عشر من عمره و فتاة عمرها سبعة أعوام كان الوقت مملا ، لا يوجد انترنت و لا أماكن للخروج و لا حتى مجلات أو كتب ، الأب يخرج لإنهاء مهمته و يعود عصراً ، الأم تصحو مبكراً تعد الإفطار للجميع و تغسل بعض الثياب و تبدأ فى تحضير الغداء
و بعد الغذاء يرقد الأب و الأم على كنبة و الطفلان على الأخرى أو يتصارعون على المقعد الخشبى ، يمسك الأب بجهاز التحكم للتلفاز و يبدأ فى تقليب القنوات أفلام تافهة ، أخبار مشكوك فى صحتها ، إعلانات كاذبة ضارة ، حتى البرامج الدينية تتحدث فى عالم الجن و وجوب طاعة الحاكم و البرامج الثقافية لا تذكر سوى دعاية لكاتب أو مخرج ما أو يتحدث أحدهم فى أصول الفن اليونانى و علاقته بأدب الستينات !! و هكذا حتى ينام الأطفال اولا من ثم أمهم و حتى يقع من يده الجهاز و يقع هو نائماً ، و يظل التلفاز على نفس القناة و لكن فى وضع السكون المظلم ، و بعد ثلاثة أيام سمعت الأم ابنها يسب أخته بلفظ بذىء فاحش ، كان هذا اللفظ تكرر مرتين على الأقل فى فيلم كان يعرض بالأمس ، خرجت تهرول من المطبخ لتؤدبه ، اتسعت عيناها .. شهقت بصوت مرتفع و ضربت بيدها على صدرها بقوة
ايه القرف ده يا بنت !! كانت بنتها تتلوى بملابسها الداخلية و تهز جسدها بشكل طفولى و لكن خليع ، أمسكت الأم بعنف بجهاز التحكم و قامت بتغيير قناة الافلام هذه و أتت بقناة أطفال و كلما أصبح لهوهم كأطفال أكثر إزعاج أو عنفاً ؛ فتحت لهم قنوات الأطفال حتى لمحت ابنها يضع يديه فى مكبس الكهرباء ليطير فى الهواء كما شاهد فى كارتون الأطفال ، لاحظت أيضا أنهم أصبحوا فى واد أخر ، تناديهم لا يردوا ، تحدثهم و هم غير منتبهين ، يأكلوا أى شىء بلا عدد و بلا تفريق طعم عن طعم ، و أعينهم الصغيرة صارت أكثر إحمراراً حيث يفتح التلفاز من استيقاظهم صباحا حتى يعود ابيهم بعد حوالى خمسة ساعات
عاد الأب و أمسك بجهاز التحكم و صارت زوجته بجواره مثل مراقب الإمتحان كلما ظهر مشهد غير لائق أو لفظ خارج أو فكرة قد تمثل خطرا لو قام الاطفال بتجربتها - غمزت زوجها باصبعها فى كفه بلطف فقام بتغيير القناة ، إلا أنهم وجدوا الساعات تمر و هم لا يستقرون أكثر من خمسة دقائق حتى يغير الزوج القناة بسبب تلك الممنوعات و تعددت الوخزات ، تأفف الزوج و ألقى بجهاز التحكم بعيداً بشدة فارتطم بالنافذة و توقف عن العمل و من شدة الرمية انفتح زجاج النافذة ، بعد لوم زوجته و نظرات أولاده المتعجبة ، قام سريعاً ووقف أمام النافذة كان وقت الغروب كان منظر الشمس البرتقالية الداكنة ، حدق النظر و مد عنقه للأمام ، مشت زوجته ناحيته ببطء ،و أمام هذا المشهد أمسكت بوسط زوجها و إلتصقت به ، استند الأطفال على أرجل والديهم فحملوهم ليشاهدوا الغروب و ما صاحبه من نغمات العصافير البديعة و قفزها بين الأغصان في هذه الساعة ، و فى دقائق امتلأت الغرفة هواء نظيف أشاع جو من البرودة اللذيذة فى الغرفة ، وقفت الطفلة على ركبة أبيها و نظرت بتعاسة لجهاز التحكم فى التلفاز و هو محطم من عند الرأس ، أستند الأب على قبضة يده اليسرى و قال :
- ما رأيكم فى لعبة جديدة
تهللت الإبنة فرحة و نظرت الأم بإعجاب و الإبن بلا مبالاة
بدأ الأب فى اللهو مع ابنته بألعاب بسيطة يدوية قديمة
كانت الإبنه تقفز سعيدة ، فأقبل أخيها بخطوات مترددة ثم أشترك معهم فى اللهو و ما هى إلا لحظات حتى إرتفعت ضحكاته مع تحديات أبيه له و تشجيع الإبنة لأبيها ، كانت الأم منهمكة فى خياطة شىء من ملابسها و لكن عندما نظرت لهم تركت ما فى يدها و أقبلت فى دلال و كبرياء ... لعبوا معا لأكثر من ساعة حتى طلب الأب أن يستريح فلم يسمحوا له ، انسحبت الأم فى خفة و بعد نصف ساعة توقفوا جميعاً عن اللعب ، صنعت لهم الأم طعام حلو ساخن رائحته شهية تجمعوا عليه حتى فرغ الإناء
همس الأب فى أذن زوجته ، فهزت رأسها رافضة ثم همس لها أخرى فقالت له : حاضر الأمر لله ...
- ما رأيكم فى قصة من قصص جدتكم ؟
إلتصق الإبن بأمه و جلست الإبنة فوق ساقيها فاحتضنتها أمها ، و بدأت تحكى لهم قصة ، و هم جالسون يترقبون كل كلمة و أعينهم متعلقة بملامح وجه أمهم التى تتغير بالسعادة أو الاستنكار تبعا للجزء الذى تحكيه ، و ما أن انهتها حتى تمسكوا بذراعيها متوسلين لهم أن تحكى أخرى حاولت الرفضت .. لكن مع توسلاتهم أخترعت قصة فى رأسها تشجع على الصدق و مساعدة الأم و أثناء قيامها بالحكى ناموا على ذراعيها ، وضع الأب الأطفال فى مكان نومهم و أسرع لزوجته بعدما ركل جهاز التحكم بقدمه و نظر لملامحها بإعجاب و ألقت بنفسها بين ذراعيه .
( تمت )
من المجموعة القصصية
( الأرض الطيبة) بقلم / مصطفى محمد علاء بركات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كيف أنّجو من غوصّي فيكِ

  كيف أنّجو من غوصّي فيكِ وصوتكِ يجعلني فيهِ غريق كيف أنقذ نفسي من جحيمكِ وهمسكِ يشعلّ في صدري الحريق كيف أجد السبيل الى خلاصي منكِ وكلما اه...