الخميس، 30 سبتمبر 2021

مخاض القصيد رضوان الرقبي

 مخاض القصيد..

في البدء كان القصيد..
الشعر بوح بمكنونات بواطننا، يسكننا جنونه، فنرتمي بين أرصفة الإبداع، نداعب أفراحنا وأطراحنا. نحتمي من ناره بناره.. نمسك بنخلة القريض، نتوجع في لحظات حب صوفي.. تغمرنا أفراح الولادة ومخاضها العسير.. نهز بجذع النخيل.. تتساقط حروف القريض.. مبعثرة في عملية خلق وإبداع، تتم في قلب حركية التوجع الذي ينتابنا أثناء لحظة الولادة الشعرية..
فالشعر بهذا المعنى هو الخيط اللامع الذي ينضد أجزاء الأوجاع، وينسق بينها مشكلا بذلك رباطها المقدس، هو العزلة المثقلة بالمعنى، والصمت المطبق على الكلام نفسه الذي ينتظر دائما لحظة الإفصاح والبوح عن اللغز المحير..
الشعر هو الحقيقة في أبهى تجلياتها وصورها، يغوص في بحارها، ليستخرج كنوزها، ويبحر بشراعه فتتقاذفه أمواجها الطامية.. يمسك بتلابيبها فيأبى إلا الوصول إلى شواطئها الدافئة بعبق المعنى..
إن الحقيقة من حيث أصل العمل الفني تمتلك القوة التي تمكنها من أن تنتقل عبر كل الأشكال، فالقول هو المأوى لهذه الحقيقة، لان اللغة بهذا المعنى الهيدجري قصيد سابق عن الشعر، كشكل متحقق في القصيدة، ذلك أن الكلام في مادته الخام هو القصيد..
الحقيقة إذن كعمل أصلي تتحقق في اللغة من حيث هي مأواها كقصيد أصيل، إن الحقيقة بهذا المعنى شعرية في ماهيتها.. وهي تستمد هذه الخاصية من ماهية الكلام الذي هو في مادته الخام شعر سابق على القول الشعري للشاعر. منه ينهل الشاعر ويستلهم أشكال قوله وصوره ومضامينه.. انه يصغي إلى ما يرن في الكلام من صمت هو أقصى غايات الجمال..
وجع القصيد صمت دافئ أرخى بظلاله على غمامة الحزن التي تفجر دمعها لحنا للقصيد، يسير كاليتيم في صحراء التيه.. رملها الكتوم يتحسسه من بعيد.. لا يقوده إلا الحب العذري.. يلقي بعصاه فينشق بحر الإبداع.. يرقب شراعه الممزق فوق أحصنة النجوم.. تداعبه أوتارها.. وتأسره لعبة الكلمات التي تتراقص فوق ظلال شعره، مكللة بأريج النبض الفواح، الذي يجعل من نبضاته إيقاعا شعريا يتناغم مع لحظات التوجع.. التي تسبق لحظة الولادة.
وجع القصيد هو ديوان شعري، يسافر بنا إلى عوالم القصيد، يسبر أغوار الذات، يكتشف مجاهلها.. يحاول رسم بعض معالمها التي كونها القصيد في سيرورته بأوجاعه.. فيتحول الوجع إلى لذة الكتابة الشعرية.. التي تطفو فوق الجراح، لتضمد كلومها ببلسم الكلمة ورونقها الأخاذ.. وجع القصيد سفر في ملكوت الشعر، نقتبس من أنواره الزاهية ريشة الشمس، لنرسم على أكتاف القريض لوحات الألم والأمل الذي تتجاذبنا غيمته.. مطرها المدرار يؤثث فضاء حقول القريض، ينبت زرع المعنى، فيورق فوق الجراح إكليل ورد تحمله نسائم الغمام.. يعجب الزراع قوامه.
وجع القصيد سنفونية شعرية.. تتغنى بأوجاع القريض، ترصده قبل لحظة الولادة.. تعزف على أوتار عود الشجن.. أغنية المخاض.. تسافر عبر جسر الكلمات إلى أغواره.. تشق صدفاته اللهفى إلى ريشة الشمس فوق رمال الغروب.. ترسم لوحة أزلية مصرعة بدمع القصيد، تترنح فوق غمامة أحزاني.. تتدفق مطرا مدرارا فتخضر حقول الأشجان.. تنبت فوق أرضها أزهارا للقصيد.
وجع القصيد ديوان شعري، يسعى إلى ملامسة بعض القضايا التي تمخضت لحنا للقصيد.. أثارت قلق صاحبها فاستجاب لندائها الشعري، وسمح لها مكرها بالتوجع في دواخله...لتولد على قراطيس هذا الديوان رغما عن إرادته التي انفلتت منه لتصبح ملكا لقارئها.. لذلك فهو يرجو أن يجد فيها القارئ بعضا لامتدادات صاحبها.
تقديم مقتطف من دواني الجدي :وجع القصيد
رضوان الرقبي
اكادير:30/10/2021
محمد علي فرغلي احمد وشخصان آخران
٤ تعليقات
أعجبني
تعليق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كيف أنّجو من غوصّي فيكِ

  كيف أنّجو من غوصّي فيكِ وصوتكِ يجعلني فيهِ غريق كيف أنقذ نفسي من جحيمكِ وهمسكِ يشعلّ في صدري الحريق كيف أجد السبيل الى خلاصي منكِ وكلما اه...