أ. د. لطفي منصور
دَلالَةُ الْعُيُونِ عَلى ما يُخْفي الْقَلْبُ:
قالُوا أَجْمَلُ ما في الْإنْسانِ وَجْهُهُ وَأَجْمَلُ ما في الْوَجْهِ الْعَيْنانِ . وَلِهذا أُولِعَ الشُّعَراءُ بِوَصْفِ الْعُيُونِ وَالتَّغَنِّي بِهِا وَجَمالِهِا وَسِحْرِهِا، وَما لَهُما مِنْ تَأِثِيرٍ عَلى نَفْسِ الرّامِقِ، وَقِيلَ في هَذا شِعْرٌ كَثِيرٌ يَصْعُبُ حَصْرُهُ.
خَلَقَ اللهُ لَنا الْعَيْنَيْنِ لِنُبْصِرَ بِهِما، وَهَكَذا عِنْدَ سائِرِ الْحَيَوانِ .
وَذَكَرَ الزَّبِيدي في مُعْجَمْ تاجِ الْعَرُوسِ أنَّ لِكَلِمَةِ عَيْنْ مِائَةَ مَعْنًى. فَمَنْ أَرادَ مَعْرِفَتَها فْلْيَنْظُرْ مادَّةَ "عين" في مُعْجَمِهِ.
هُناكَ مَنْ يَرَى أنَّ الْعَيْنَ تُصِيبُ، فَيَعْتَلُّ الْمُصابُ بِسَبَبِها، وَقَدْ أَلّفَ خَليلُ بنُ أَيْبكَ الصَّفَدِي (ت ٧٦٤هج) كِتابَ "صَرْفُ الْعَيْنِ"
تَحَدَّثَ فِيهِ عَنْ طُرُقِ الْإصابَةِ بالْعَينِ وَتَوَقِّي ذَلِكَ.
مِنْ وَظائِفِ الْعَيْنَيْنِ أَنَّهُما يَكْشِفانِ عَمّا في الضَّمائِرِ. أَهَمُّ الْمُؤَلِّفِينَ الَّذِينَ ذَكَرُوا تَلْكُمُ الْوَظِيفَةَ الْوَزِيرُ الْآبِي، وَهُوَ الْكاتِبُ منصورُ بْنُ الْحُسَيْنِ (ت ٤٢١ هج)، صَاحِبُ مَوْسُوعَةِ "الدُّرُّ الْمَنْثُورُ" وَهوَ في الْأَدَبِ الْمَنْثُورِ ، في سَبْعَةِ مُجَلَّداتٍ لا يُضاهِيها كِتابٌ آخَرُ.
في مُطالَعاتِي الدّائِبَةِ في الْمَوْسُوعَةِ كانَ يُحِيلُ عَلى أَحَدِ كُتُبِهِ الْمُهِمَّةِ "الْأُنْسُ وَالْعُرْسُ"، وَقَدْ وَفَّقَنِي اللهُ تَعالَى في زِياراتِي لِمَعْرِضِ الْكِتابِ في قاهِرَةِ الْمُعِزِّ عَلى الظَّفَرِ بِالصَّيْدِ الثَّمينِ ، وَمِنْ كُنُوزِهِ وَجَدْتُ أَلْوَزِيرَ الْآبي قَدْ خَصَّصَ فَصْلًا عُنْوانُهُ: دَلالَةُ عُيُونِ الْإخْوانِ عَلَى ضَمائِرِهِمِ، واسْتِشْهادَهُ بِشِعْرٍ كَثِيرٍ عَلى الدَّلالَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: مِنَ الْبَسيط
- الْعَيْنُ تُبْدِي في قَلْبِ صاحِبِها
مِنَ الشَّناءَةِ أَوْ وُدٌّ إذا كانا
- إنَّ الْبَغَيضَ لَهُ عَيْنٌ يُقَلِّبُها
لا يَسْتَطِيعُ لِما في الْقَلْبِ كِتْمانا
- وَعَيْنُ ذُو الْوُدِّ ما تَنْفَكُّ مُقْلَتُها
تَرَى لَها مَحْجَرًا بَشًّا وَإنْسانا
(المَحْجرُ: بَيْتُ الْعَيْنِ في الْوَجْهِ، بَشًّا: مَنْظَرًا مُرْضِيًا، الإنْسانُ: الْبُؤْبُؤُ وَهُوَ إنْسانُ الْعَيْنِ )
- وَالْعَيْنُ تَنْطِقُ وَالْأَفْواهُ صامِتَةٌ
حَتَّى تَرَى مِنْ ضَمِيرِ الْقَلْبِ تِبْيانا
وَقالَ آخَرُ: البسيط
- وَلا تَسْأَلَنَّ صَدِيقًا عَنٍ مَوَدَّتِهِ
وَانْظُرْ إلَى طَرْفِ عَيْنِهِ إذا نَظَرَا
- فَإنْ رَأَيْتَ بِعَيْنَيْهِ مُداوَمَةً
بِالْبِشْرِ نَحْوَكَ فَاحْمَدْهُ إذا ذُكِرَا
- وَاسْتَشْهِدِ الْقَلْبَ وَانْظُرْ أَيْنَ مَوْقِفُهُ
مِنْهُ تَجِدْ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِهِ أَثَرَا
(الضَّمِيرُ في عِنْدَهُ يَعُودُ إلَى الْقَلْبِ)
وَقالَ آخَرُ: مِنَ الْوافِر
- وَلا تُكْثِرْ عَلَى ذِي الضِّغْنِ عَتْبَا
وَلا ذِكْرَ التَّجَرُّمِ لِلذُّنُوبِ
(ذُو الضِّغْنِ: الْحاقِدُ، التَّجَرُّمُ: اقْتِرافُ الْذُّنُوبِ وَالْجَرائِمِ)
- وَلا تَسْأَلْهُ عَمّا سَوْفَ يُبْدِي
وَلا عَنْ غَيْبِهِ لَكَ بِالْمَغِيبِ
- فَإنْ يَكُ في عَدُوٍّ أَوْ صَدِيقٍ
تُخَبِّرْكَ الْوُجُوهُ عَنِ الْقُلُوبِ
وَقالَ آخَرُ: مِنَ الْهَزَجِ
- وَفي الْقَلْبِ عَلَى الْقَلْبِ
دَلِيلٌ حِينَ يَغْشاهُ
- وَفي الْعَيْنِ مِنَ الْعَيْنِ
مَقايِيسٌ وَأَشْباهُ
إ.ه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق