الأحد، 25 فبراير 2024

ولد الملاح! ( أبناء حي اليهود) ( نص مستمد من ذاكرة طفل بداخلي )

 ولد الملاح! ( أبناء حي اليهود)

( نص مستمد من ذاكرة طفل بداخلي )
يعتبر ( ولد الملاح ) لقب مشترك، أطلق وتداول على كل الأبناء الذين سكنوا أو ولدوا في مساكن اليهود بعد هجرتهم عند مشارف بداية منتصف القرن العشرين تقريبا..
كما كان هذا اللقب القدحي بمثابة احتقار ونبذ وكراهية ترسخت، وبقيت حتى الآن، عند باقي أطفال وشباب الأحياء الأخرى المجاورة من المدينة العتيقة..
لقد سكن اليهود قديما حي الملاح المتواجد في مجمل المدن المغربية، ومن بينها مدينة مراكش الحمراء.
وكان، هذا الحي، بمثابة تجمع سكني جد هائل ومدروس بكيفية حمائية، شيد وسط المدينة الحمراء في عهد السعديين خصيصا لأجل هذه الأقلية العرقية والذي وجب حمايتها من قبل السلطان السعدي آنذاك.
كما كانت هذه الأخيرة متفرقة في جل المدن المغربية بنسب متفاوتة ومنهم من سكن حتى الأرياف..
مكوث هذه الأقلية في مساكن بالقرب من المسلمين خاصة لطالما عرضهم إلى بعض الاعتداءات العنصرية بشتى أشكالها من قبل بعض المواطنين المتعصبين، وأخص بالذكر الأطفال منهم والشباب آنذاك..
ومن أجل حماية هذه الأقلية أكثر فأكثر، شيد هذا الحي منعزلا عن باقي أحياء المدينة، وكان يتوفر على كل مرافق الحي المستقل نوعا ما..
من مساكن ومحلات تجارية ومرافق دينية ( سناݣوݣ) ومقبرة خاصة لهم تدعى المعارة الخ…
وكانت لهذا الحي أيضا عدة أبواب، تقفل مساء قبل صلاة العشاء تقريبا وتفتح في الصباح الباكر من أجل التجارة والأغراض الأخرى..
إلا أنه مع مطلع منتصف القرن العشرين ( الستينات والسبعينات )، أصبحت هذه الأسر اليهودية المقيمة هنا، وخصوصاً الشريحة الفقيرة منها، تهاجر إلى إسرائيل من أجل التعمير هناك، في نية تحسين وضعيتهم والانخراط في مشروع بناء دولة جديدة سوف تحمل عما بعد إسم ( دولة إسرائيل )!!
كانت، هذه الأسر السالفة الذكر، قد باعت جل ممتلكاتها الثمينة بأرخص الأثمان..
وعلى إثر هذا الحدث المستحدث من لدن القوى الدولية للسياسة العالمية والمفاجئ في آن واحد بالنسبة لباقي الأوطان العربية خصوصاً!
أصبح معظم التجار آنذاك يتهافتون على شراء بضائع جد قيمة من هؤلاء المرحلين!
إنها فرصة العمر من أجل الاستثمار المضمون وكسب المزيد من المال..
ومن بين هذه المبيعات المعروضة هناك مساكن ومحلات تجارية جد مهمة..
استغل التجار هذا الوضع، وبالتالي أصبحوا يتاجرون في مساكن هذا الحي بأثمنة رخيصة نوعا ما على عكس مثيلتها في الأحياء العديدة الأخرى من المدينة العريقة..
ما جعل حي الملاح، من غالبية الأسر، غير مقبول للسكن وتربية الأبناء فيه بالدرجة الأولى..
على عكس بعض الأسر الفقيرة إنها فرصة العمر أو الحلم المأمول في امتلاك مسكن خاص بهم..
ومع تقدم الزمان شيء فشيء، تحولت السكنى هناك أي في الملاح إلى وصمة عار بالنسبة لكل قاطنيه بصفة عامة وخصوصا الأبناء في طور التنشئة منهم، إذ كانوا سريعي التأثر من أفعال أقرانهم الآخرين الجد مهينة..
بحيث كان ينظر إلى التلاميذ والتلميذات، الذين ينتمون إلى هذا الحي في المدرسة مع أقرانهم من الأحياء المجاورة، نظرة دونية وما إلى ذلك من مظاهر التحقير والتهميش..
وعلى إثر هذه الأوضاع الإجتماعية المترتبة عن هذه الهجرة، أصبحت السكنى، في الحي المذكور، عارا وشتما وما إلى ذلك من نبذ وإهانة وعنصرية وهلما جرى..
وبهذا أصبح الكل ينادي كل القاطنين من أبناء الحي ب ( ولد الملاح أو ولاد الملاح أو إبنة الملاح أو بنات الملاح..)
لقد نشأ معظم أبناء هذا الجيل المنبوذ، من تلاميذ وتلميذات، في بيئة اجتماعية جد قاسية ومهينة لكرامة الشخص المنتمي لهذا الحي بصفة خاصة وإلى الإنسان بصفة عامة..
ما جعل بعضا من هؤلاء المنبوذين ينحرفون على الفور من أجل إفراغ عدوانيتهم مع الآخر المهين.. ولكن هؤلاء المنحرفين كانوا يشكلون سوى أقلية بسيطة..
بينما البعض الآخر الرزين والمهان أيضا، حاول بكل ما لديه من الجهود الراهنة آنذاك، دس عقده من جراء ما كان يتعرض إليه أولا، وبرهنة وإثبات عكس ما تلقى من إهانات بمختلف الأشكال ثانية..
وبعد كد وجهد، امتد لعدة عقود، تمكن في الأخير، زمرة من هؤلاء الأبناء، من الوصول إلى غيهم المنشود، فأصبحوا بالتالي موظفين بارزين وعمالا مجدين ورجالات جد مرموقين في المجتمع..
ولكن، ومع كل هذا وذاك، تبقى عقدة الدونية أو التهميش التي تعرضوا إليها منذ الصغر بارزة ضمن الأحاسيس المكبوتة عندهم..
وما إن استقرت أوضاعهم الإقتصادية والاجتماعية نوعا ما، وأصبح لديهم أبناء، حتى برزت عقدهم واضحة وضوح الشمس من جراء تلك الإهانات السالفة الذكر..
بحيث أصبح جلهم يتسم بشخصيتين مختلفتين متضادتين تماما!
الأولى المسؤولة والرزينة، تنظر نظرة ذاك الآخر الذي أساء في تعامله معهم سابقا، أي ينظرون إلى السكنى في حي الملاح مجرد تهور لا يطاق ولا يمكن المغامرة فيه لبناء تربية تنشئتهم كيفما يريدون ذلك..
والثانية العاطفية المستسلمة بشكل من الأشكال، تنظر نظرة الرجوع إلى الحي وعيش فيه حنين الماضي ثانية بنوع مختلف، في بيئة يطبعها التنوع والاختلاف ضمن شخصيات ومعاملات أفراد هذا الجيل المعطوب إذا ما صح التعبير..
وأيضا في محاولة تغيير نظرة ذاك الآخر، وفي إبراز قيم وأخلاق أبناء حيه القديم من جيله المنبوذ إلى حد ما..
إن جل أبناء هذا الجيل ( ولد الملاح وإبنة الملاح )، عندما عادوا من بعد ذلك رجالا ونساءا، أصبحوا بين مطرقة رفد السكنى في هذا الحي وسندان قبولها من أجل الرجوع إلى حنين ذكريات الماضي.
ومنهم من أصبح يخفي حتى انتمائه السابق إلى هذا الحي بشكل من أشكال التستر والتخفي..
هذا ما كان يبدو واضحا من خلال جل تحركاتهم وحواراتهم مع الآخر الغير منتمي إلى الملاح..
وما خفي، من هذه العقد والأشياء الأخرى، كان أفضع وأعظم..
وعند نهاية هذه السطور من هذا النص التاريخي، إن ( ولد الملاح ) بالفعل يعد بطل أبناء هذا الجيل الذهبي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، بحيث أنه صارع من أجل البقاء تابثا وإبراز نفسه على عكس ما تلقاه من إهانة ويتسم بالشجاعة في ركب أمواج التحديات على كل المستويات..
لقد ضحى، هذا الطفل، كما يقال: بالغالي والرخيص من أجل الوصول إلى شط النصر والظفر بالغاية المنشودة سلفا..
مع اختلاف بسيط بين هؤلاء الأبناء في الإمكانيات والاستطاعة الراهنية آنذاك..
والسؤال الذي يطرح نفسه بشدة هنا عبر شذرات محتوى هذا النص التاريخي هو:
من الناظر، في رأيكم، الأفضل والصحيح للواقع المعاش؟!
أ هو ذاك الطفل الذي عاش كل هذه الاحداث المتضاربة بعلتها؟!
أم هذا الرجل الذي أصبح ما عليه الآن، بعد كد وجهد لا يقاوم من طفل مصارع وشجاع؟!
ومن أجل إنهاء نصي هذا، أكتفي بهذه الكلمات المرسومة كلوحات تشكيلية أمامكم، كما نقشت، من ذهب أيضا، في ذاكرتي منذ سالف الأيام..
ولكم كامل التصرف في تخيل كل الأشياء الأخرى التي لم يتسنى لي خيالي أو تعبيري في ذكرها هنا بوضوح تام، عبر هذا النص التاريخي من حياة طفل داخل وجداني، هذا الأخير قد كتبها الآن لكم بأحاسيسه الطفولية والعفوية البريئة.
وتبقى قصتي هذه مفتوحة لكل مقيم بين أحضانها عبر كلمات معبرة نسبيا وأخرى مستترة، دون قصد مني، بين السطور بنوع من السرد القصصي أو التاريخي إذا ما صح تعبيري..
ليبقى في الأخير ( ولد الملاح ) ذاك الشخص المصارع والشجاع في ركوب أمواج البحر والذي لا يهاب الصعاب مهما كثرت وتعددت..
-بقلم: محمد دومو
-مراكش/ المغرب
كل التفاعلات:
ارق ملاك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كيف أنّجو من غوصّي فيكِ

  كيف أنّجو من غوصّي فيكِ وصوتكِ يجعلني فيهِ غريق كيف أنقذ نفسي من جحيمكِ وهمسكِ يشعلّ في صدري الحريق كيف أجد السبيل الى خلاصي منكِ وكلما اه...