الأحد، 14 يناير 2024

قصة قصيرة: ضلالات أبي جحشان.

 قصة قصيرة: ضلالات أبي جحشان.

قرأ الجحش المغرور، سطرين من شرح الكتاب المسطور، لأدعياء العلم المأثور، الذين يُلَبِّسُون على العوام الأحوال والأمور، واستمع لثلة من أدعياء مأجورين، لقُطَّاعِ طُرُقٍ متنفذين متسلطين، تبدَّلُوا عِرضَهُم ودينهم وكرامتهم بِعَرَضٍ من الدنيا مَهِين، فَتَوَهَّمَ المسكين نفسه قد صار من الكبار، عالما عظيما لا يُشَقُّ له غبار، وأن عليه نشر العلم الصحيح في كل الأقطار والأمصار، وأنه يجب عليه تبليغ الرسالة الخالدة وينفض عنها الغبار، وإزالة ما شَابَها من أوضار، وما لصق بها من التخريف والتحريف الضار، من بدع المنافقين الأشرار، ومنكرات المنحرفين أهل الزيغ والخسران والبوار ، وضلالات المنافقين الأقذار، وإفساد الكفار، والتي لا تصح ولا تثبت أمام الحجج والأدلة والأثار، البيِّنات الواضحات كالشمس الساطعة في رابعة النهار، كذلك سَوَّلَت له نفسه وما استخار ولا استشار، وغاب عن فهمه ووعيه أنه جحش ابن حمار.
وأول شيء فعله هذا الغبي الثرثار المهذار، أن سمَّى نفسه أبي جحشان الحمرور، البار المبرور، السالك هَدْيَ السابقين من سلف الصلاح والنور، ثم قعد للنهيق والنباح، ولو أنه عَفَّ وكَفَّ لأراح واستراح، ولكنه جمع حوله حميرا يلتقون كل صباح، ولا يفترقون إلا عند الرَّواح، كل حديثهم وكلامهم نهيق ونباح، وأطلق لسانه في الكبار والأبرار، يُفَسِّقُ هذا دون سابق إنذار، ويُبَدِّعُ ذاك دون بينة ولا دليل يُؤخذ بعين الاعتبار، ويقذف عرض تلك دون ورع ولا خشية من الملك الجبار، ويُفتي بهذا حلال جائز مُقرَّر، وذلك حرام وباطل شنيع يُحظر، ممنوع لا يُمرَّر، وهذه بدعة جهول كفور، وتلك ضلالة صاحبها دمه مهدور.
وأدخل أنفه في كل القضايا والأمور، ناهقا مثل أضرابه من الأغبياء التافهين الأشرار، ونابحا كالكلب العقور المُصاب بالسُّعار، وفضح نفسه بركاكة أسلوب لغته المليئة بالعيوب والأخطاء، في النحو والصرف والبلاغة والإملاء، كأنه لِتَوِّهِ بدأ في تعلُّم وكتابة حروف الهجاء، وهو حقيق بدخول مدرسة محو الأمِّيَّة في الابتداء، ليصبح من المتعلمين النبهاء، ويكف عن الجهل والغباء، ويحذر من المراء والرِّياء، ويمتنع من التعسُّف بغير علم في القضاء والإفتاء، وهو عند العارفين النابهين الأذكياء، تافه وشقي ودعيٌّ من الأدعياء.
وصاحبنا هذا بمرور الأيام والشهور والسنوات، مع قطيع حُمُرِ الغباء والضلالات، سيطرت عليهم الظنون والأوهام، واغتروا بأنفسهم وفكرهم السَّام ، وصاروا كالأورام في الأجسام، تُنبئ أمور أحوالهم بشرور عظام، وبفتنة عمياء من الطَّوام، وبطوفان شَرٍّ عاتٍ دامٍ مقدام غير محجام ، وجمر نار يوشك أن يكون لها ضرام.
وإلى الآن، مازال هذا الشقيُّ الدَّعِيُّ، الغبيُّ العييُّ، الرُّويبضة الخَرفان، رأسه فارغ وبالهواء ملآن، غارقا في الأوهام والفجور، راكبا رأسه كحال كل جاهل مغرور، في مكانه يروث ويبول ويدور، وأصحابه وأنصاره ينهقون مثله، ويفعلون فعله في كل زرائب الدُّور، ويحسبون أنفسهم على شيء وأن أمرهم باق وسيدوم، ، ولكنهم لا شيء كحال الصِّفر المعدوم، بل إن الصِّفر به يستقيم الحساب، ويُعرف به الخطأ من الصَّواب، وهؤلاء بهم كل شيء يفسد ويُعاب، حالهم كحال البعوض والذباب، أينما حلوا أُصيب الخلق بالفزع والاضطراب، وأرعبوهم ونشروا بينهم الأمراض والأوصاب.
بقلم: عبد الكريم علمي
الجمهورية الجزائرية
أعجبني
تعليق
إرسال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كيف أنّجو من غوصّي فيكِ

  كيف أنّجو من غوصّي فيكِ وصوتكِ يجعلني فيهِ غريق كيف أنقذ نفسي من جحيمكِ وهمسكِ يشعلّ في صدري الحريق كيف أجد السبيل الى خلاصي منكِ وكلما اه...