الأحد، 31 ديسمبر 2023

رجال ومواقف...3 عبد الله بن حذافة

 رجال ومواقف...3

عبد الله بن حذافة
فهذا الصحابي، اإطلق ليقطع الصحارى وحيداً، دون مؤنسٍ، ودون معينٍ، ليصل إلى ملك من ملُوك الأرض، لا يفهم لغته، ملكٌ متربعٌ على عرشٍ عظيم، يدعو هذا الصحابي ذاك الملك لترك دينه، والاحتمال أن يقتله احتمالٌ كبير .
أجمل شيء يا أيها الأخوة, أن يكون الإنسانُ واقعيًّا، وكلّ إنسان يبتعد عن الواقع لا يصدَّق، فالنّبي عليه الصلاة والسلام يعلم تماماً خطورة هذه المهمة، وهؤلاء الصحابة الكرام عاشوا في البادية، ولم يتعلَّموا، بل هم أُمِّيُّون، سينطلق أحدُهم إلى كسرى، الذي يمثِّل قمَّة الحضارة، قصور، وخدم، وحشم، وحجَّاب، وفرسان، وأسلحة، وأموال، وأرائك، وهم يجهلون لغات تلك البلاد، ولا يعرفون شيئاً عن أمزجة ملوكها .
بينما الآن فهناك إعلام، والأعمال كلُّها يتناقلها الإعلام، فأحياناً الملوك يحسبون حسابًا لتناقل الوكالات لما يفعلُون، أما قديمًا فلم يكن هناك إعلام، فلو قال الملك: اقتلوه، لقتلوه، وانتهى الأمر، ولنْ تسمع وقتها ضجة إعلامية، إذ لم يكن بين الشعوب تواصل، إنهم سيدعُون هؤلاء الملوك إلى ترك أديانهم، ومفارقة عزِّهم وسلطانهم .
تصوَّر مثلاً أنَّ يا فلانًا الفلاني، في القرية الفلانية، ومن البلد المتخلِّف الفلاني، يقال له : اذهب إلى صاحب البيت الأبيض، وقل له: إنَّك كافر، وإنَّك على باطل، فعُدْ إلى ديننا، إنه أمرٌ صعب، ومهمةٌ فوق الخيال .
سيدعون هؤلاء الملوك إلى ترك أديانهم، ومفارقة عزِّهم وسلطانهم، والدخول في دينِ قومٍ كانوا إلى الأمسِ القريب، إنها رحلةٌ خطيرة، الذاهب فيها مفقود، والعائد منها مولود .
إنها رحلة بالتعبير المعاصر، انتحارية، فإما أن يعود، وإما ألاّ يعود، هذه هي طبيعة هذه المهمة .
الإنسان أيها الأخوة, على قدر تضحيته، وعلى قدر بذله، وعلى قدر تجشُّمه للأخطار ، وعلى قدر عطائه يرقى عند الله عزَّ وجل، لذلك جمع النبي صلّى الله عليه وسلَّم أصحابه، وقام فيهم خطيباً، وقال:
((أما بعد، فإني أريد أن أبعثُّ بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا عليّ، كما اختلفت بني إسرائيل على عيسى بن مريم:
?فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ?
( سورة المائدة الآية: 24)
قد تكون رسمة
أعجبني
تعليق
إرسال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كيف أنّجو من غوصّي فيكِ

  كيف أنّجو من غوصّي فيكِ وصوتكِ يجعلني فيهِ غريق كيف أنقذ نفسي من جحيمكِ وهمسكِ يشعلّ في صدري الحريق كيف أجد السبيل الى خلاصي منكِ وكلما اه...