قصة قصيرة: ابن أخت الحصان.
قال البغل للحصان: أخبَرَنِي أحدهم يا خال، مِمّن أثق في كلامه وحديثه أن لا أحد يُحِبُّني، وأنهم إذا ما رأوني قادما نحوهم تقزَّزُوا واستاؤوا وتفرَّقوا إلى حال سبيلهم، حتى لا أختلط بهم وأجلس معهم، ويُعيّرونني دائما بحميريَّتي، فلماذا يحدث هذا معي وأنا لم أُؤذِ أيّ أحد؟
فرد الحصان: ومن هؤلاء يا ابن أختي؟
الحصان: أوّلا هؤلاء ليسوا الجميع، وهم فقط من ذكرتَ، وهم أيضا مِمّن سمعتَ عنهم بأذنيك ولم تَرَ منهم بعينيك، وفرقٌ كبيرٌ بين أن تسمع وبين أن ترى، ثم أن يُحبك غيرك دون منفعة أومصلحة لهم فيك، فذاك مع أبناء هذا الزمان إن اعتقدته، فهو غباء منك وغفلة وحلم مُحال، وهو أمر بعيد المنال، ودونه خرط القتاد، وإيجاد إرم ذات العماد، التي لم يُخلق مثلها في البلاد، فالمحبة يا ابن أختي ترتبط دائما بالمصالح وتتعلق بها – إلا حُبّ وَالِدَيْكَ لك فإنه غريزي، وتلك سُنَّة الله في خلقه– فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.
وهؤلاء الذين تقول عنهم بأنهم لا يُحِبّونك ولا يُطيقونك، غيرُ مُستبعد هذا منهم، بل إنه مُتَوَقّعٌ جِدّا، ولئن ثَبَتَ ذلك فلأنك عنيدٌ، يتعسّر التفاهم أو التعايش معك، وهذه الصفة هي بالضرورة صفة إخوتك وأخواتك، وأعمامك وعمّاتك، ثم أنت يا ابن أختي وأنا أَعْرَفُهُم جميعا بك، بغلٌ جافٍ، قاسٍ، غليظٌ، شرسُ الطباع، إلا أن كل هذا وعلى رغم سُوئه، فهو ليس شرّا على عُمُومِهِ وإِطلاقِهِ، لأنك لو كُنتَ مِطواعا سهلا، سلس الانقياد، وظهرك مُحْنَيًا مُتاحٌ للركوب، لبردعوك وألجموك ثم ركبوك، وما ترددوا ثانية واحدة، وسيختلف الأمر حينها في أمر المَحَبَّة، وستتحول من ذلك البغل الغليظ الجافي البغيض الممقوت، إلى البُغَيْلِ المحبوب المرغوب خفيف الظل والروح، ولكن حال انقضاء المصلحة تنكَّرُوا لك مرة أخرى، ومرُّوا بك كأن لم يروك من قبل ولم يعرفوك، بل وربما حذفوك بالحجارة وأدمَوْكَ.
إنّ معايير الحُسن والسُّوء مع أبناء هذا الزمان يا ابن أختي، تصنعها المصلحة الخاصة، وتتحكم فيها الأنانية المقيتة، فإذا تحقَّقَت عندهم فيك، فأنعم وأكرم وأنت ابن الأكرمين، وأخوالك الخيل الأجواد الميامين، وأما إن كان الأمر بالضِّد فلا أكرم ولا أنعم، وإنما أنت بغل ابن حمار غبيّ من التافهين، ومن سلالة الحمير الملاعين.
ولا تُصَدّق من يُحاول أن يُقنعك أنه من الأبرار الأتقياء، سواء بالقول أو بالإيحاء، من أنّ الكُلّ عنده سواء، وأنَّه لا فرق عنده بين فيل أو خنفساء، فاحذر فإنه كذب وتَخَرّصٌ ورياء وهُراء، وضحك على ذقون الأغبياء، إن التقوى تُبذل للخالق العظيم ربّ الأرض والسماء، لا للمخلوقين الضعفاء، فمجتمعنا سقيم نفسيًّا حَدّ الامتلاء، ومليءٌ بالعُقَد المستعصية على الشفاء، والتي ليس لها دواء، فهو نشأ وتَقَوْلَبَ على المزاجية الخرساء العمياء، وصار مجبولا على حُبّ التزعّم والظُّهُور والسّمعة والنِّفاق والرِّياء، والجميع يرى نفسه على الآخرين نجمًا في السّمَاء، وأنّهُ الزعيم الأوحد بلا مراء، وغيره لا قيمة ولا اعتبار لهم بلا استثناء، فَهُمْ عنده مثل الهباء، وليسوا معه على حَدّ سواء، ولا في أيّ شيء من الأشياء.
وإذا أردتَ يا ابن أختي أن تُفلح، ويستقيم حالك في هذه الدّنيا، فإنّ هناك أمرا مُهِمًّا جِدًّا عليك معرفته وفهمُهُ، إنّ سبب كل هذا البلاء والسُّوء الذي أنت فيه، إنَّمَا سَبَبُهُ تلك الأذنان الطويلتان الملتصقتان برأسك، واللتان وَرِثْتَهُمَا من مجتمع الحمير البائس، فلو أنك تقُصّ منهما قليلا، وتجعلهما مثل آذان أخوالك، فربما تتهذّبُ شيئا ما طباعك، وترتقي قليلا وإلى حَدّ ما أخلاقك، وتكف عن الاستماع لمن ينقلون لك أخبار الآخرين، وتُحسن انتقاء الأصدقاء المخلصين، وتنسى التفكير والانشغال بهذا لا يُحبني، وذاك لا يُطيق رُؤيتي، وأولئك يشمئزون من سماع صوتي، ففرّ من ذلك واجعله خلفك ظهرِيًّا، فإنها مصيدة الشيطان التي إن التَفَّت عليك حبائلها، صَيّرَتْكَ دُمية في يد صاحبها.
وإذا عيَّروك بالبغل ابن الحمار، فعلى الأقل أنت بغل وأخوالك الخيل، وأما الكلاب فهم الكلاب أبناء الكلاب، ولا أخوال لهم من غير الكلاب، والأمر مع البقية متشابه.
أرجو يا ابن أختي ويا ابن الحمار، أن تكون قد فهمت كلامي، وأدركتَ قصدي واستفدتَ منه، فأبناء هذا الزمن اللعين، يا صغيري يا طويل الأذنين، لن يتركوك في حال سبيلك هانئا من المُنَعّمين، ولو جعلت لهم أصابعك شموعًا وأحرقتَها لِتُضيء لهم دربهم في كل وقت وحين، فافهم ولا تعد لسؤالي بمثل هذا يا ابن اللعين، ولئن عُدْتَ لمثلها وفعلتَها، وأنا أعرف أنك ستعود لمثلها، بل وإنني متأكد من ذلك وعلى يقين، ولكن حينها سوف تجد مني بدل الكلام السلس الهيّن اللّيّن المُبين، عضّا أليمًا مُبَرّحًا يُمَزّقُ لحمك السَّمين، وركلًا قويّا مُخَضخِضًا عنيفا على الأجناب والجبين، يُهَشّمُ أضلاعك وعظامك أجمعين، هيَّا اغرب عن وجهي الآن وتَوّا وفي الحين، ثكلتك أمُّك وكل الحمير والبغال الأوغاد البائسين.
بقلم: عبد الكريم علمي
الجمهورية الجزائرية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق