تفريقاً . .
بعد حياةٍ هانئةٍ
قصة قصيرة
وعد الله حديد
12رمضان المبارك 1444
يتفِقُ معي الكثيرُ من الناس أن الحياةَ ماعادت تُطاقُ , سوف لن تكونَ الفاقةُ سبباً قاهراً في عدم إحتمالنا لهذه الحياة وسوف لن نُلقي باللائِمةِ على الثراءِ في تحمل تبعيةٍ
عدم الاحتمال , هاهي ذي بوادر مللٍ وقنوطٍ تلوح في الافق تتسللُ بإصرارٍ إلى حياتنا بشكلٍ أو بآخر, إن الأسطوانة المشروخةَ ( أصبحتِ الحياةُ مملةً لا تطاق ) صارتْ
حاضرةً على ألسِنَةِ جميع من نلقاهم من البشر , ولكن تلك الاسطوانة سوف لن تصل مُبتغاها بعض الوقت فالمللُ يمكن أن نداريه حيناً ببعضٍ من فائِض المال بِرحلةٍ في
أرض الله الواسعةِ أو بتفعيلٍ لأيةِ هوايةٍ قديمةٍ أو أيّةَ فُسحةٍ ينفذُ منها بصيصُ أملٍ يمكن أن تبدد ذلك الملل , ولكن مشاكلَ من نوعٍ مُغايِرٍ لايمكن للمال ولا الوجاهة ولا
قدسية المنصب يمكن أن تُفضي إلى حلولٍ بيِّنةٍ , فعندما تفرِضُ أزمةٌ نفسها فتحلُّ بين شريكين إثنين هانئينِ بين جدران اربعةٍ مُحاطَينِ بوداعةِ أطفالِهم فسوف لن تنفع
معها جميع الحلول المُتاحة لمداراة الموقف , ويأتي التعنتُ وعدم التروي حائلاً دون الوصول الى مجرد حلٍّ , تلك هي الاموال وذاك هو الجاه والشهرة وقفت جميعها
صاغرةً لاتحرك ساكناً امام صلفٍ وعنادٍ لاقرار لهما في لحظةٍ شيطانيةٍ عند أحدِ ذينِكَ الشريكينِ وكان محصلةُ ذلك العناد . . تفريقاً بعد حياةٍ هانئةٍ .
ليس من عادة نادر الخروج للقاء اصحابه بمثل هذا التوقيت , يجب أن أقفَ على سبب خروجه المتكرِرِ فالوساوسُ بدأت تُقلقني وتحتلُ حيزاً في رأسي , هكذا حدَّثتْ لميسُ
نفسها , لقد إتخذت قراراً وعليها أن تقف على سبب خروجه ,
إنه يقابلُ شاباً عشرينياً في مقهىً متطرفاً في أطراف المدينة , لقاءًا تحوم حوله شبهاتٌ كثيرةٌ , كانت اجواء ذلكَ اللقاءُ مشاعريةً أكثر من كونها تدور في أجواءٍ محورها
العمل , إحتوت نادرُ مشاعر فياضةٍ وفرحةٍ كبيرةٍ وهو يجلس قبالة ذلك الشابِ , كانت البهجة وبوادر إنسجامٍ حاضرةً بأتم وأبهى صورة لها وهو يحاوره , وانتهى اللقاء
بأن أخرجَ نادرُ مبلغاً من المال وفيراً فأودعهُ في أحد جيوب سترة ذلك الشاب دون أن يُبدي الشابُّ أيَّة بادرةٍ للقبولِ او للامتناع .. لقاءٌ غريبٌ لشخصين لايبدو أنهما
صديقين لفارق السِنِّ الظاهر للعيان بينهما .
أنهى قريبُ لميس المكلفُ بمراقبة زوجها حديثَه وهي تصغي إليه بجميع حواسها ,
إن عليّ ان أقف على حقيقة الامر قالت ذلك لميس وهي تحدث نفسها بصوتٍ مسموع وأردفت
أعرف قبل غيري أن زوجي يحبني وأعرف أنه يعشق أطفالنا ولم يفرط يوما بمحبته لنا , أنه فوق جميع الشكوك والشبهات , لم أشك به لحظةً , إنه ملتزمٌ بأواصر
المحبة بيننا ولم أُلحظَ قطُّ أنه قد نكث ألعهد وخان المواثيق التي بيننا رغم كثرة المعجبات اللاتي يحُمنَ حوله في مجال عمله , إنه لم ولن يُبالِ بهن رغم محاولتهن الايقاع
به , أستبعد أنه بصدد صفقةٍ تكون المراة محور هذا اللقاء وهو إن فكر يوما أن يصاحب امرأةً غيري فلن يحتاج أن ينآى بنفسه متطرفاً في أطراف المدينة فإن أجمل النساءِ
وأصخبهنَّ انوثةً يتهادينَ حوله طول الوقت ويَدُرنَ في فلكه بحكم عمله ,
ولكن . .
ما بال هذا الشاب الذي التقاه في أجواءٍ مشاعريةٍ
هاهو ذا يقف مثل صنمٍ لايجيد عملية النطق عندما أمْلَتْ عليه زوجتُه مراسم لقاءه المحموم لذلك الشاب , لا مناصَ من الإعتراف , إن الأدلة الجنائيةَ الدامغة حاضرةً بين
يديها , قال وهو يحاول جاهداً أن يحفظ إتزانهُ ,
دأبت الخادمة على اصطحاب ابنها معها إلى بيتنا من وقت لآخر , كان شعوري غريباً نحو ذلك الطفل , أحسست أن شيئاً ما يشدني اليه , وفي يوم استأذتُ أُمّهُ كي
أصطحبه معي في جولة في المدينة , لم أكن أرغب في النزهة حقيقةً ولكن انتابني شعور غريب ما أردتُ ان أُفصحَ عنه لأحدٍ حتى لنفسي , لقد قصدت مختبراً أفحص فيه
أل دي إن أي لكي اقف على حقيقة الامر وأُنهي حالة شكٍّ قديمٍ باليقين , وهاهي نتائج الفحص قد بانت جليةً وكانت مطابقةً وثبت بالدليل العلمي نسب الطفل إليّ إنه أبني
وهو حصيلة تلك العملية الحميمية في الليلة الحمراء التي غدَتْ تفاصيلُ واقعتها باهتةً مشوشة ًفي رأسي ,
في ذلك اليوم . .
كُنتُ قد إعتذرت لك عن مصاحبتك مع الأطفال الى منتجع المدينة المائيةِ بسبب التزاماتٍ في عملي , غادرتِ مع أطفالنا وبقيتُ وحدي في البيت , حدث هذا قبل كذا عدد من
السنين ,عدتُ ذات ليلةٍ تعٍباً ومخموراً لدرجةٍ لم أكن لأُمَيزَ الأشياَءَ من حولي ولا حتى لأعرفَ من أنا , كانت الخادمةُ تنظفُ السجاجيد , وبلحظةٍ حمقاءَ لم أكن بكامل
وعيي حصل معها مالم أكن لِأُدركه أو حتى أن أُصدق أنني فعلته إلّا بعد أن استفقتُ من التوهانِ وزُحمةِ الخمرةِ .
لم يزل الأمرٌ مُتقبلاًّ , وبالإمكان تجاوز ما حصل ولكن ما علاقة ذلك الشاب بتلك الحادثة الحمقاء . سألته امرأته
اجاب وهو يمطُّ بشفتيه
إن الشاب الذي إلتقَيتُهُ في المقهى هو ذلك الطفل الذي أفضَتْ إليهِ تلك الليةُ الحمراءَ والذي اصطحبته ذات يومٍ إلى مختبر للفحص وتأكَدَ حينها نسبَهُ إليّ , هو أبني وإنني
مواضِبٌ منذ سنين على لقاءهِ ودعمه بالمال حتى اصبح اليوم ذا شأنٍ وبدأ يعتمد على نفسه وليس في نيتي التخلي عنه مهما كلفني الأمر , إنه ابني هو منّي وأنا مسؤولٌ
عنه .
توقف نادر حين رأى امرأته تتهاوى فتداركها بكلتا يديه قبل أن تسقط الى الأرض , لم تستحمل ماسمعته , أيُعقل أن يأتي زوجها فِعلاً ناقصاً لايليقُ بمقامه وهو الناضج
العاقل ,
حدّقتْ في عينيه هُنيهةً وكأنها تستجمع في رأسها من الكلمات المؤثر منها وأردفت
لماذا فعلت ذلك , كيف طاوعتك نفسك أن تخون العهد الذي بيننا , ماذنب اطفالنا ان يكون لهم أخاً ليس من أُمِّهم , ربما نسيتَ انك أحببتني بصدقٍ وبادلتك ذلك الحب
بأبهى بل وأعنف منه فأنت تستحقه , عاهدتني على الوفاء وكنت صادقاً الى أجلٍ لا أعلمُ أمَدَهُ أنا وتعلمه أنت ,
وتوالت التقريعات وقذائف اللوم تنهال عليه , هدأتْ ثورة البركان بعد حينٍ بعد انفجارها الكبير , وانتهت فصول المسرحية وأُسدل الستارُ وظهرت عبارة ط. .ل . قني
على ذلك الستار
وكان لها ما أرادت ,
أنا لست مع الرجل في نزواته ولن اكون مع نادر فيما آلَتْ اليه نزوته من عواقب سيِئةٍ , كان السيد نادر نادراً في كمية الاخلاق التي يحملها لكنه ارتكب هفوةً نسفت
الهفوةُ ذلك الزخم الهائلُ من الاخلاق في لحظة طيش , لقد أخطأ بطل قصتنا لامحالة وتسبب في كارثةٍ وكان ذلك في لحظة غاب فيها وعيُهُ وسوف يكون لتلك الحادثة
تأثيرها السيئُ على المدى البعيد على مستقبل حياة كِلا الشريكين وتخريب العلاقة الأُسرية التي عاشت بصفاءٍ على مدى الأعوام المنصرمةِ والتي كان محصلتُها إنجابُ
ثلاثة اطفال سيكونون بعد إكمال إجراءات التفريق ضحيةً إثر حادثةٍ عرضيةٍ نكراء لا ذنب لهم بها أبداً وسيتحملون تبعيتها طالما هم على قيد الحياة .
ولكنني أقول , هل أن نزوةً طائشةً لازمن لها في حسابات الزمن الخرافية أن تُطيح بآمالِ ومستقبل أُسرةٍ مستقرةً هانئة بعيشها .
هل كان التفريق الذي أقدمت على طلبه زوجته هو الحلُّ الراجح والامثل لمعالجة ذلك الموقف أم كان بالإمكان تجاوزه وترجيح العقل من أجل الأطفال الذين سيصبحوا بعد
هذا اليوم ضائعينَ متذبذبين في العيش بين أبوين مُفترقين إلى أجلٍ يعلمه الله وحده .
ووقع . . التفريق بعد حياةٍ هانئةٍ .
وعد الله حديد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق