الخميس، 30 مارس 2023

معلم:

 معلم:

ليل طويل وطويل جدا" ,النجوم تشع في السماء ,وقمر يستر وجهه ببقايا غيوم ،وسكون هادئ ,وصمت ابدي لا يقطعه سوى نقيق الضفادع ,وأزيز الصراصير الحرارة عالية وليل صيفي غادر نصفه وبقي النصف الآخر ينتظر آهات المرضى وانين الجرحى وابتهالات المؤمنين .بقي جابر طريح الفراش يتقلب فيه ذات اليمين وذات الشمال يطرد أفكار ويجلب أخرى أمور شتى تنتابه قلق وخوف وتأنيب ضمير راودته أفكار لم تخطر بذهنه .مغامرات .مشاجرات .سرقات .وحتى اللحظات التي قدم بها خدمات للآخرين .فيبتسم أحيانا ويقطب حاجبيه أحيانا أخرى .حسب المشهد الذي ينتابه .قرر أخيرا أن يبدل موقع الوسادة التي يضع رأسه عليها ....ولم يجد نفعا" لقد كان تعبا" منهكا" جدا"...الفراش لم يكن الفراش الذي اعتاد عليه . الغرفة لم تكن كمثل الغرفة التي كان ينام فيها . لقد كانت غرفة صغيرة جدا" لا تتجاوز الثلاثة أمتار . مربعة الشكل مسقوفة" بالقش ذات نافذة" شمالية مخلوعة من عبث الأطفال , وباب أشبه بباب إسطبلات مكسر ومرمرم يحكي قصة التربية والمعلمين ...وأسلاك كهرباء متدلية وصلت بطريقة أشبه بألعاب أطفال ...بعضها مجروح والأخر لف عليه ناليون لاصق يستعمل لتجليد الكتب والدفاتر ...
هذا أول يوم في حياته يبات وحيدا" في مدرسة قد عين فيها معلما" ...قرية" ريفيه نائية ...تقع على ربوة , والناظر اليها من بعيد يعتقد في الوهلة الاولى انها من مخلفات الرومان ...او خراب تركها أهلها .
وبين قلق وتعب وأنهاك يغط في نوم عميق . لكنه نوم الخائف نوم الذي لم يتعود في حياته تغيير مكانه
ويختفي القمر وسط غيوم مدلهمة داكنه تحجب الرؤية ويغيب الكون في ظلام دامس ابدي ...وفجأة" يفيق جابر على دقات تتقدم تجاه المدرسة . فتح مقلتيه وأصنت جيدا" ورفع رأسه عن الوسادة قليلا" وعطل جميع حركاته لعله يدرك او يعرف مصدر هذه الدقات فالمدرسة التي يقبع بها بعيدة عن القرية مسافة" لابأس بها .
لم يتبين شيء . الخطوات ليست خطوات بني البشر . راودته احتمالات شتى هل في المنطقه وحوش ...حيوانات برية ضارية ذئاب . قد يكون ضباع سيما وأنه سمع عن ا لكثير من هذه الحيوانات التي توجد في منطقة جبل عبد العزيز . والقرية ضمن هذه المنطقه . وكان قد وصل مساء" ولم يسأل أهلها عن طبيعة القرية ...ومرت الافكار في ذهنه دون تفكير سديد مرور الشريط السينمائي ..ثم ما لبثت أن توقفت الخطوات التي كان يسمعها . سكنت دقات قلبه قليلا" 0لكن جسمه بدأ يرتجف وبدأ يحدث نفسه لعل الخطوات كانت لشخص او أو ...أو لكن مذا يفعل جابر في اخر هذا الليل البهيم , وقال لنفسه لا يمكن أن تكون خطوات انسان ...ثم ادار نفسه يفتش بناظريه بين زوايا الغرفة المظلمة لعله يجد شيئا يدافع به عن نفسه فلم تقع عينيه على شيء . فهم ان يشعل النور وقرر اخيرا" ان ينهض فليكن ما يكون ...فنهض بهدوء وبدات ركبتيه تضربان بعضما ببعض لم يستطع ان يسيطر عليهما لكنه اخيرا وضع اصبعه المرتجفة على زر الكهرباء وضغط الزر ...ولم يشعل النور لقد كانت الكهرباء منقطعة . فازداد الخوف خوفا" قطع اوصاله وبدات الرياح الهوجاء تزأر وقرر ان يغلق النافذه الصغيرة بوسادته فاغلقها دون ان يبصر ما وراءها . الباب موصد لكن أي دفع بسيط قد يفتح بسهولة .
جلس على الفراش واسند ظهره للحائط الطيني وبدا يصنت جيدا . لم يتبين من خلال صفير الرياح أي دقات غريبة سوى خشخشة اوراق داخل غرفة الصف المجاورة تعبث بها الرياح المتسلله من خلال شقوق الباب والنوافذ . سكن برهة وتنفس الصعداء ... ودعى الله ان ينجيه وقراء المعوذتين واية الكرسي ...وبدات الامطار تنهمر بشده انها عاصفة مطرية اعتادت المنطقه في هذه الفترة على امطار مبكرة في ايلول سكن الخوف شيئا ما ؟ وبدأ جابر ينتظر بزوغ الفجر بفارغ الصبر لكن الفجر ما زال بعيدا" بعيدا" على الحيارى والمساكين ؟ وبدات الغرفة تدلف الامطار على وجه المعلم جابر وفراشه وفي اركان عدة من الغرفة و حدث نفسه ما هذا المشهد ؟ كيف لي ان ابقى سنة دراسية كاملة وهل كل زملاءه مدارسهم مثل هذه المدرسه ؟ وتمنى لو لم يكن قد تخرج معلما . هل هذا سجنا ؟ لا...لا....فالسجن مبني من الاسمنت وفيه حتما ناس وشرطة ولا تدلف فيه الاسقف ولا حيوانات ضارية ولا....... سوى الشرطة يطبقون القانون .... وقطعت افكاره هذه صوت اقدام تقترب من الباب فارتعب وشد على انفاسه ونهض الى بنطاله المعلق واخرج قشاطة الجلدي المتين من البنطال وطواه بين يديه المرتجفتين . وحدث نفسه ماذا يفعل القشاط تجاه حيوان مفترس أو ...وحاول ان يسترق النظر من بين شقوق الباب عله يجد ما يهدا روعه فلم يتبين له شيئا وسط الظلام والامطا ر...لكن وقع الاقدام قريب وقريب جدا" !
تراجع الى الخلف فلم يجد شيئا يسند به الباب المفكك وقرر ان يضع لحافه عسى ان ينفع شيئا فجلب اللحاف ووضعه جيدا على الباب الذي يتسلل من خلاله الهواء الممزوج بالامطار التي ما زالت تنهمر بشده
ثم جلس القرفصاء فوق الاسفنجة المتبقية من فراشه . وبدا يرجف بردا" وخوفا" واسنانه بدات تطقطق بدون ارادته ...والغرفة بدات تدلف من كل ركن فوضع اسفنجتة فوق راسه اتقاء المياه الصفراء المحملة برائحة القش المتعفن النازلة من سقف الغرفة ... ثم ما لبث ان سمع الدقات تقترب عند الباب انها فعلا عند الباب بل هناك حركة دفع .فنهض جابر مرعوبا" ووقف بعيدا في ركن الغرفة ممسكا بقشاطه بقوة .والبيد الاخرى الاسفنجه
الباب يدفع باحتكاك ولطشات عشوائية وظل صامتا لاياتي بحركة حتى انفاسه كاد ان يحبسها ولا يسمع منه سوى طقطقة اسنانه بين الفينة والاخرى .وكل ما دار في ذهنه ان الموجود امام الباب وحش هكذا يبدو لان منافذ شقوق الباب السفلية سدت باللحاف والعلوية اوصدت تماما بالظلام والوحش المفترض خلف الباب ...ووسط هذا السكون الذي طال لبعض الوقت والذي قد انهك قوى المعلم جابر
وفجأة" نهق امام الباب حمارا" نهيقا حادا وفجائيا صرخ معه المعلم جابر صرخة قوية دون ارادته خارت معه قواه من خلالها كاد ان يغمى عليه وبين خوف وارتياح لمعرفته ان الذي بالباب كان حمارا قد جرتة الرياح والامطار ان يلوذ بجانب غرفة المعلم جابر لقد تاكد جابر ان الدقات كانت عبارة عن حوافر الحمار وقد غادر راكضا فارتاح بعض الشيء وهدات اعصابة وجر لحافه من على الباب ليلف به جسمه لكن النوم غادر جفنيه ... ومرت ساعة وهو يطمئن نفسه والعاصفة هدات والرياح استكانت وكل شيء بدا يوحي بالهدوء
ويبدو ان الفجر قد ارسل اول خيوطه من خلال شقوق الباب المتجة شرقا" فقرر ان يخرج لقضاء حاجه فشد عزمه .... وحدث نفسه لماذا الخوف الم تقرا عن البطولات ... والقصص التي تحكي الشجاعة والقوة والباس فقال لنفسة اين انا من هذا ... فتقدم نحو الباب فانزل المزلاج وفتح الباب بحذر لكنه فوجىء بما يشبه الافعى ملتفا على نفسه فما كان منه الا ان اوصد الباب بسرعة وحمل اللحاف وبسرعة تجاه الباب واوصده وحاول اغلاق جميع الشقوق الكبيره التي ممكن ان تنفذ منها الافعى المحتمله وحدث نفسه يا الهي ماذا افعل ... ثم التفت داخل الغرفة التي اصبحت الرؤية فيه مناسبة يفتش عن عصا فلم يجد سوى كرسي خيزران مهترىء نالت منه السنون والليالي فقرر ان يكسر رجل الكرسي فكسرها ... واخذها بيده في هذه الفترة قد لاح وجه الصباح والمعركة لم تنتهي بعد وقضاء الحاجه اخذ يلح عليه بقوة والانتظار اصبح صعبا" ان لم يكن مستحيلا واخيرا قرر ان يخرج راكضا ويحصل ما يحصل فمسك رجل الكرسي بيده وشد عزمه وازال المزلاج ونزع اللحاف وانطلق كالرصاصة راكضا نحو الخارج مطرودا ...دون يلتفت وراءه ؟ فما كان الا من كلاب القرية التي بدات تطارده وهو لايدري الى اين .....الى مديرية التربيه تاركا حقيبته وبنطاله الاحتياط.
بقلم : //عبد المجيد الجاسم //ابو حيدر//
أعجبني
تعليق
إرسال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كيف أنّجو من غوصّي فيكِ

  كيف أنّجو من غوصّي فيكِ وصوتكِ يجعلني فيهِ غريق كيف أنقذ نفسي من جحيمكِ وهمسكِ يشعلّ في صدري الحريق كيف أجد السبيل الى خلاصي منكِ وكلما اه...