الأربعاء، 4 يناير 2023

«أم مختار» قصة قصيرة

 «أم مختار»

قصة قصيرة
بقلم / مصطفى محمد علاء بركات
خرجت من بيتها ذو الدور الواحد، تاركة بابها الخشبي مفتوحاً فهو أصلاً محطم وتدفعه أي قطة في الحارة، كما أن البيت أصلاً لا يوجد فيه شيء ذو قيمة، إلا أربعة أطفال وبنت هي أصغرهم في العاشرة من عمرها، ورجل يقال عليه أبيهم أو زوجها وهو لا يسأل عن زوجته إلا وقت شهوته، أما أولاده فلا يناديهم سوى: يا ولد، يا زفت، فقد نسي أسمائهم يوم نسي لِمَ خَلَقه الله في هذا الكون وأعطاه العقل والجسد.
وَصَلَت للمسجد التي اعتادت الذهاب له يومياً، كانت تصلي جالسة خارجه وتفرش بعض المناديل والسبح وتعرضهم مع كرامتها للبيع، لعل أحدهم يجود عليها بأية قروش لتسد جوع أولادها وتتقي غضبة زوجها الجائع العاجز عن محاولة القيام بدوره، إلا في القسوة على من هم أضعف منه لعل هذا يحقق له نشوة السيطرة الزائفة على أي شيء في حياته التي لا يرى فيها سوى الطعام والنوم ودخول الحمام.
و فجأة.. علا صراخ إحدى السيدات من مصلى السيدات، حقيبتي، هاتفي، أي شخص يساعدني يا ناس...
- لم تكن هذه أول مرة ولكنها الثالثة خلال الشهر - انتشر بعض رواد المسجد يتحركون بعشوائية، وينظرون هنا وهناك لعلهم يروا السارق واقفاً منتظرهم في ركنٍ ما!!
قال طفل صغير: لقد شاهدته، خرج يجري من هنا.
قال أحدهم: كيف كان شكله؟
قال الطفل: طويل ويلبس جلباب.. لونه.. بنى أو أسود مش متأكد.. وانتفض قلب «أم مختار» وشهقت كأنما غرقت في بحر عميق أو في طريقها للغرق.
عادت للبيت، بعدما سارت في شارع طويل لمدة نصف ساعة؛ لتوفر خمسة جنيهات ثمن ركوبها، فهذا المبلغ كفيل بسد جوع أحد أبنائها برغيف وبقايا جبنه.
و ما أن رأته أمامها قالت له:
- أين كنت يا «مختار»؟.. ألم تخرج اليوم؟
«مختار» : خرجت مع بعض أصدقائي لأستنشق هواء نظيف.
- وهل الهواء في بيتنا غير نظيف، أم ضاقت بك الدنيا كي تسرق عباد الله في بيت الله.
- عباد الله، بيت الله، ونعم بالله يسمع من بقك ربنا ويشعروا بنا عباده بقرش من الآلاف اللي معاهم، يصلوا ويصوموا ويلقوا بقايا طعامهم في القمامة ويطعمون كلابهم فراخ ولحم مستورد.
- عمر الحرام ما بيشبع يابني.. وربك ما بينساش حد.
- فعلا الحرام ما بيشبعش، هو فين الحرام ولا الحلال؟ لا في ده ولا ده.
- ابحث لك عن أي عمل.. أنت شاب وبصحتك.
- لقد حاولت.. وماذا أخذت؟.. جنيهات.. أتعرفين أسعار الموبايلات، هل تعرفين أسعار كلاب الحراسة؟ اتركيني لحالي يا أمي.
- إياك أن تذهب مرة أخرى للمسجد، صدقني أنا من سيبلغ عنك.
أعطاها ظهره، وخرج مرتديا جلابيته البنية.
لم تكن المرة الأولى، فقد كذَّبت نفسها أول مرة وزادت شكوكها كيف كان يأكل ويشرب سجائر وكلما سألت عنه أحد تعرف أنه لا يجلس إلا على الرصيف أو مع أصدقائه وليس له عمل، أحست به أول مرة في المسجد ولكنها لم ترى وجهه.. شعرت به ربما من جسمه أو ثيابه أو لعله قلب الأم؛ وثاني مرة تعجبت من أنه كان ينظر لها نظرة خائفة وهو يتلفت حوله ويخرج من باب المسجد متلفتا حوله، أما المرة الثالثة فقد رأت نعله المقطوع من الأمام أمام الأحذية قبل الصلاة ثم اختفى قبل خروج المصلين.
ذهبت لأبيه فلم يرد عليها ..
عادت للمسجد ثانية وهي ترى الضحايا الذين خسروا ألاف الجنيهات من تعب العمل وأرزاقهم، وما كان يؤلمها أن بعضهم كان يعطيها صدقات وهي تعلم أن ابنها أخذ منهم الغالي من ممتلكاتهم التي ربما ما زالوا يسددون أقساطها... كانت ترفض منهم الصدقات ظناً منها أنها توفر لهم ولو واحد على عشرة مما انتهب منهم.
و لكنه كرر السرقة مرة أخرى وأصبح أكثر خبرة سواء في اختيار الهواتف أو الأحذية الغالية جداً.. وهذه المرة سرق هاتف «الحاج مسعود» وهو صاحب سلسلة محال تجارية ويذبح كل شهر عجل يوزعه على الفقراء وكثيراً ما انتفعت منه «أم مختار».
عادت للبيت غاضبة شرسة انقضت على «مختار» وشتمته وجرته من ثيابه ونامت فوقه ولم تشعر بنفسها إلا وجلابيته البني ممزقة قماشها بين أصابعها العجوز الجافة.
قام «مختار» يجر جلابيته البنية الممزقة وهو يقول غاضبا:
- هاتف بآلاف الجنيهات... قطعة بلاستيك... ونحن كم ثمننا؟!!
على كم نتحصل في الشهر ولا ربع ثمن هذا الجهاز...
اكتفت أمه بنظرة غاضبة محذرة ولم ترد عليه، فليس عندها وقت للجدل، فهي تعرف بفطرتها أن السرقة حرام والاعتداء حرام والرزق يقسمه الرزاق... إنه إيمان العوام.
تابع «مختار»: تتذكرين عندما ذهبنا نأخذ منه شنطة رمضان؟
أتذكرين كلب الحراسة الذي كان عنده؟
ماذا كان يأكل؟... هياكل، هياكل مع أرز وحساء .
ماذا نأكل يا أمي؟ أليست هذه أفخم أكلاتنا؟
نحن لا نساوى كلابهم يا أمي... لا نساوى كلابهم.
وخرج تاركاً أمه يأكلها الخوف من الله... وعلى ابنها الأكبر.
لم يتوقف مختار عن السرقة، وكان على يقين من أن أمه يستحيل أن تؤذيه وحدد غنيمته هاتف جوال ذهبي لا يقل عن ستة ألاف جنيه.
انقض عليه وهم ساجدين، خطفه كالصقر وقفز خارج المسجد حافياً مسرعاً... وعند الباب اصطدم بأمه رغم مرضها وانحناء ظهرها إلا أن إيمانها ورغبتها في إصلاح ولدها جعلها تقف كالسهم أمامه.
- لن تمر.. لن تصبح سارقا يا «مختار».. أترك ما ليس من حقك.
- أبعدي عني يا أمي، أبعدي عني.
- أقسم بالله لن أتركك، سأبلغ عنك، سأسلمك لعامل المسجد.
صرخ أحدهم: حرامي.. حرامي، أمسكوه.
تحرك رجل يبدو كأنه من القوات الخاصة إلا أنه يرتدى بدلة سوداء ونظارات شمسية.. وبقفزة واحدة قوية دكت سطح الأرض أصبح أمام «مختار»، نظر «مختار» ليجد مهرباً إلا أن الرجل ألقى قبضته على رقبة «مختار» بعنف وأمسكه.. وفجأة اختل توازنه يبدو أن «مختار» دفع أمه ليتعثر بها الرجل القوى ويهرب «مختار» تاركاً أمه التي على ساق الرجل الضخم.. وعلى حافة الهاوية.
أثارت وقفة «أم مختار» أمام اللص الشكوك، خصوصاً أن الذي تعرض للسرقة كان مساعد وزير الداخلية وكان معه اثنين من الحراسات الخاصة، كان معروفاً عنه أنه بلا قلب، دينه القانون وعقيدته تعليمات الداخلية.. فكان لابد من خيط أو ضحية ولم يكن سوى «أم مختار»، التي تم اقتيادها للمباحث ولولا كبر سنها، وصحتها المتدهورة لتعرضت لأشد أنواع المعاملة التي قد تحطم مجرمين أشداء.
- من الذي كنتِ تكلمينه خارج المسجد ؟
- أين ذهب ؟
- شكله إيه؟ اوصفيه.. انطقى..
ساعات طويلة من التحقيق والتهديد والتخويف.. بلا فائدة.
كانت كل ذرة في جسدها تهتز كأن زلزالاً بقوة ألف ريختر أصاب برج القاهرة.. كانت تنتفض وترتعش.
لم تكن حتى تقول أنها بريئة كمن في وضعها، كانت فقط تنهار في البكاء، لا تعلم هل هي خائفة على نفسها من بطش يد القانون التي تضرب بقوة مضاعفة لأن الذي تعرض للضرب هو أحد قادتها.
أم كانت خائفة على مستقبل ابنها؟ أن يصلوا إليه من طرق أخرى، ولكن لم يخطر ببالها مطلقا اختيار أنها قد تقول حرفاً يدين ابنها.. تم حجزها على ذمة التحقيق مع التوصية بمعاملتها بأقسى معاملة فالموضوع ليس سرقة عادية.
بل سمعة وهيبة الداخلية ..
انزوى «مختار» في طرف البيت مرعوباً، كاد أن يضيع في ثانية كانت رقبته بين يدي هذا العملاق ربما لو قاومه كان قتله.. ولن يبكى أحد على جثته سوى أمه - نعم أمه إنه لم يدفعها بل لقد رأها تلقى بنفسها متعمدة على الرجل الضخم لتنقذه نعم لقد شاهد أنفها تنزف من شدة اصطدامها المتعمد بركبة الحارس الضخم.. نعم إنها أمي.. التي حاولت كثيراً أن تربيني على الدين والأخلاق والرزق الحلال كانت تنظف المزابل وروث الحيوانات لتوفر لهم فتات اللحوم مثل الكرشة والفشة وتلك الأماكن في البقرة التي قد تعف بعض حيوانات الشارع عن أكلها.. أمي التي عملت أسبوعاً تمسح أرض الصيدلية عندما كنت مريضاً لتوفر لي الدواء.. ماذا أفعل؟ كان يمسك الهاتف بيده.. لم يبعه سريعاً كالمرات السابقة، كان خائفاً مرعوباً وقلقه يزداد كل لحظة.
هل أسلم نفسى؟ فيفرجوا عن أمي.
سيضعوننى في السجن لسنة على الأقل.
سأصبح مجرما في الأوراق الرسمية.
سيضيع مستقبلي تماما..
حتى إن أردت التوبة فلن أستطيع، ستكون نهايتي.
إن أمي كبيرة لن يعاقبوها بشدة.. هي حقاً تجر قدميها من آلام الركبة المزمنة وتحنى ظهرها لتحاول أن تقف على الأرض أو تجلس لتؤدي وظيفتها في الحياة..لابد إنهم سيشفقون عليها.
أراد أن يعرف أي شيء عنها.. لعله يطمئن نفسه تضليلاً ..
وقطع صمته صوت سيارة شرطة تدخل الحارة لقد عرفوا بتحرياتهم بيت «أم مختار» .. لقد وصلوا لبيته.
قفز «مختار» من النافذة المكسورة واختبأ بجوار صندوق قمامة مليء بالشحم والزيت ومخلفات الصناعة.
كان أفراد الشرطة يهددون ويتوعدون.. ويقولون لهم أنه تليفون الباشا الكبير، الباشا الكبير.. إن مأمور القسم يهتز أمامه كالطفل المذنب، إنه مرشح لمنصب وزير داخلية.
أخذوا كل من في البيت حتى أختهم الصغيرة، فلابد أن يثبتوا للباشا الكبير حضورهم ولو ظاهرياً.
و خرجوا تاركين «مختار» بين القمامة والشحوم التي لا تُزال إلا بماء النار... أو بالحرق.
جلس «مختار» على الأرض يخشى أن يدخل البيت ويخاف أن يمشي بهذا الهاتف الغالي فلابد أن الخبر انتشر.
ماذا أفعل؟ أين أذهب؟.. ليس لي رغبة في الطعام، ليس لي أهل أشاكسهم أو حتى أتشاجر معهم لأنني إنسان.. جزء من عائلة، لي أصل أهفو له ولست نبتاً شيطانياً.
لا.. أمي المسكينة لن تتحمل... إخوتي... هذا الرجل العجوز الذي نناديه أبي.. إنني لم أعد سارقا.. بل قاتلا.
لقد قتلتُ أمي بيدى لقد ألقيت بأخوتي الصغار في السجن.
ليس هذا ما تستحقه أمي أن أدمر حياتها.. فحياتها هي أولادها.
لقد ألقت بنفسها في النار من أجلى فهل أشكرها بأن ألقيها هي أولادها وسمعتها في النار؟.. أي أجردها من أغلى ما تملك.
ذهب إلى القسم مدفوعاً بقوة لا يعلمها، ربما كانت بذرة غُرست منذ سنين ولكنها لم تنضج بعد، ذهب ممسكاً الهاتف كأنه ممسك بقنبلة موقوتة كادت تدمر بقايا إنسان شوهه الحقد والفقر والجشع، ولكن ما زرعته فيه أمه من تضحية وإيثار بشكل عملي رآه أمامه حياً متحركاً لا خطباً وأحاديث وشعارات.
ترك فيه أثراً رغماً عنه ... إنه الأصل.. إنه التربية.
- اتفضل يا فندم .
- ما هذا؟ ماذا تريد ؟!
- إنه هاتف سيادة العميد الذي تبحثون عنه، الذي من أجله تحركت يد القانون.
- وفُتِحَت القضية -
(تمت )
من المجموعة القصصية / جاءنا البيان التالى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كيف أنّجو من غوصّي فيكِ

  كيف أنّجو من غوصّي فيكِ وصوتكِ يجعلني فيهِ غريق كيف أنقذ نفسي من جحيمكِ وهمسكِ يشعلّ في صدري الحريق كيف أجد السبيل الى خلاصي منكِ وكلما اه...