حسنِيَه
في محلة اليهود
خاطره
بقلم وعد الله حديد
في السادس والعشرين من آب2022
(محلة اليهود هي احد احياء الموصل القديمة جُل ساكنيها من الاخوه اليهود َّتقع في محيط منطقة حضيرة الساده القريبة من شارع الفاروق وجامع السلطان ويّس وبقيت على تسميتها حتى الى ما
بعد مغادرة ساكنيها الى فلسطين في عام 1948 وحتى هذا اليوم .
من خمسينات القرن الماضي .
في متاهة الأزقة الضيقة والمتعرجة في (محلة اليهود ) ,
في تلك الازقة المثيرة للشفقة وللاستغراب مساكنٌ جُدرانها مهتريةٌ مُهشمةٌ صُنعت من ألآجُّر, تخسفاتٌ لاقرار لها تُطمس معالم ارضية الزقاق , مياهٌ تتجمع وسط الطريق لسوء تصريف تلك المياه .
تتداخل البيوت مع بعضها , سوف يصعب أن تجد فيها باباً يشبه الباب الذي يجاوره شكلاً واستقامةً , إنها عشوائيةُ البناء والمعمار في عصورٍ غابرةٍ .
لا أذكرُ شكلاً معيناً للسيده الجليله (حسنيه ) ولكن اسمها تشبث في مُخيلتي منذ أكثر من ثمانيةٌ وستين عاماً إنها المعنيةُ بتحفيظ القرآن لصغار السن .
كنتُ أنا احد اولئك الصغار , ربما تجاوزت السادسة او السابعة من عمري لا ادري , فسورة المزمل والمدثر لايحفظها عن ظهر قلب من كان دون تلك السن .
في احد تلك البيوت يتخذ بيتٌ السيدة حسنيه موقعاً في صدارة الزقاق متنحياً بعض الشيئ عن الفوضى العارمة التي تجتاح وسط الزقاق .
بيتٌ يوحي للناظر ثراءُ ساكنيه بابهُ صنع من الخشب الثقيل تنتظم فيه مسامير مُدورةً كبيرةُ الحجمِ سِمةُ ذلك العصر رُصَّتْ تلك المسامير بشكلٍ يُنبؤ عن احترافية العنصر الذي ابدعها ,
في صدرِ ذلك البيت ينفتحُ رواقٌ واسعٌ وبهيٌ تستلقي على جانبيه غرفتي معيشة لكل غرفةٍ شبابيكَ ثلاثةٍ تطل على الرواق
.لا أذكر جيداً كيف بدأتُ جلساتُ تحفيظ القرآن عند (الملَّايه حسنية ) ولكنني اتذكر أننا كنا ستةُ اطفالٍ او اكثر نجلس القرفصاء متقاربين على شكل نِصفُ دائرة تتوسط الجلسة الملّايه حُسنيه
وبين يديها كتاب الله من النوع متوسط الحجم , كيف اتقنتُ حفظ سورة الفاتحة لا ادري ولكنني اذكر انني حفظتُ سورة المدثر عن ظهر قلب ومثلها اتقنتُ حفظ سورة المزمل .
الزمان غير الزمان والمكان لايُشبه المكان , لقد اصاب التغيير كل لِبنةٍ في جدار وكل خليةٍ في منظومةِ الانسان , إنقلب الوضع وضاعت معالم الدار مثلما ضاعت معالم الانسان .
لم نكن نعاني صعوبة الحفظ لسور القرآن وما كنا نرى صعوبة في حفظ الدرس , كنا مهيئين نفسياً لمتابعة الدروس بعقولٍ عذراء لم يكن لِيُشغِلنا عن المتابعة شاغِلٌ من أيِّ نوعٍ كان ,
لم تُدنِسَ عقولنا مُلهياتٌ من انواع السوني والجوال وغيرها الكثير , لم تكن تلك الاختراعات قد سجلت حضورها فوق سطح الارض.
كان الفقر حاضراً في تلك الحقبة الزمنية ولم تكن الاوبئةُ والامراضُ مُحَيَدةً ولكن قلة عدد السكان لم يُظهر لنا تداعيات تلك الحقبة بشكلٍ كبير او اننا ما كنا لِنفهمها على حقيقتها لصغر سننا .
تفوق الكثير في علوم الطب والهندسة رغم كونهم من أُسرٍ فقيرةٍ كانوا يحضرون الى المدرسة حفاتاً ويلبسون (الدشداشة) البالية في ايام البرد ولم تعترض ادارات المدارس آنذاك على مثل ذلك
التصرف لعلمهم بالحالة المعيشية للطلاب وفي جعبتي اسماء البعض ممن كان يأتون الى المدرسة حفاة الاقدام مرتدين (دشاديش) بالية اصبحوا فيما بعد ذوي شأن كبير. (اتحفظ على الاسماء).
وتُسجل التغذية المدرسية حضوراً مُشرفاً في خمسينات القرن الماضي , هو حضورٌ متواضعٌ لكنه يُذكرُ بكلِ زهوٍ واقتدار للحكومات التي كان لها شرف تقديم هذه التغذية . وكان للغني الموسر
من الطلاب نصيبٌ من هذه التغذية شأنهُ شأن المقترين من زملائه الطلاب كي لا يشعر هؤلاء المقترين بالحرج في حالة ان يستثنى الاغنياء من التغذية .
ولم يُستثنى اعضاء ادارة المدرسة من تناول وجبة الفطار فمدير المدرسة ومعاونه والمعلمين والفراشين كانوا يشاركوننا في تناول الوجبة .
يختلف الوضع اليوم كثيراً فالمغريات كثرت وتداعياتها طالت الافاق , واصبحت الملهيات حاضرة عند الغني وعند الفقير على حدٍ سواء ولكن المباهات فرضت نفسها عندما يباهي الغني من
الطلاب بامتلاكه
اغلى جوال بين رفاقه ويُعلن على الملأ قُدرته على شراء اغلى الحاجات فيُخرجُ حافظة نقوده المكتظةِ بالدنانير ليُثبت قوله بالدليل.
ويباهي اكثر بسيارة اللكزس التي يمتلكها والده فيحضر بها السائق الخاص لِيُقِلَه من والى المدرسة . تلك بجاحةٌ واضحةٌ للعيان وإنتهاكٌ فاضحٌ باتجاه تقويض عرى الزمالة والصداقة .
ينتهجها البعض من الطلاب عن غباء ربما لايقبل بها ذويهِ ممارسةً لو علموا بها,
زمن لا يستحيي من زمن ولن يخجل انسانٌ من اخيه الانسان في الكثير من المناسبات , وسيبقى الوضع بائساً كما هو عليه حتى تقوم الساعة .
وعد الله حديد
١١
تعليق واحد
أعجبني
تعليق
إرسال

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق