الأربعاء، 6 يوليو 2022

 في غرفتي المطلة على المحيط الأطلسي توجد صورة كبيرة لشهيدٍ.

هي أول من أصبّحها، وآخر من أمسّيها، في فجر كل نهار، وغروب كل شمسٍ.
وبما إنني أعيش، مثل غيري، حياة السلخ عن الجذور، كنتُ بحاجة دائمة لكل ما يشدّني إلى الوطن.
إلى التراب الذي نهجره، ظنّاً منا أننا، بهجراننا له، ستطال أحلامُنا السحاب.
ونبقى هائمين ضائعين في مراكب أحلامنا حتى نكتشف، بعد أفول عمر، أن هناك، على تراب ذلك الشاطىء، قطنت أحلامُنا الأجمل.
وبنما أن البعضَ يختار الأمكنة الأثرية رابطاً، والبعض يتمسك بالأغاني الوطنية، والبعض الآخر بالأهل والأجداد،
وبما أن لكل إنسان حريّة اختيار طريقه في الحياة، فإنني اخترت، وعن سابق إصرار وتصميم، أن يكون هذا الشهيد، كما غيره من مقاومي بلدي، هم الدافع
و الرابط الذي سيشدّني دوماً إلى جذوري، إذا ما لاحت في الأفق أعاصير الغربة الهوجاء.
لأنني أؤمن أن العقول والسواعد هي موارد الوطن الأثمن.
ولأنني أدرك أن المحبة هي الكنز الأجمل، اخترتُ الإنسان لا الأماكن.
والفلاح لا الشجرة. والمعلم لا التاريخ. والمقاوم لا المقاول.
وكنت غالباً ما أطلب من أي قادم من أرض الوطن، صورة لشهيدٍ،
أو كتاب قصصٍ يلخّص سير أبطال المقاومة. هؤلاء المجهولة أسماؤهم.
وفي ليلة من ليالي الغربة المتشابهة، خرجتُ من البيت باكراً كي أمضي السهرة عند صديقي العاشق لكرة القدم.
ولما عدتُ إلى المنزل، بعد حوالي الثلاثة ساعات، اكتشفتُ، من صفعات الهواء المنسكبة على وجهي، وقهقهات الريح الساخرة، أن نافذة غرفتي كانت مشرعة.
وكان البيتُ مظلماً بسبب انقطاع الكهرباء. كما العادة.
هربتُ من العتمة بعروجي إلى سريري، مستسلماً لنوم عميقٍ.
وما إن فتحت عينيّ في صباح الفجر التالي، حتى لاحظتُ أن صورة الشهيد لم تكن على الحائط أمامي.
توجهت بناظري نحو أسفل الجدار متوقعاً سقوطها بفعل الريح.
وأيقنتُ، بعد فشل ظني، مدى ظلمي للريح.
اتهمتُها زوراً بارتكاب الجريمة.
لم أجده الصورة.
بحثت في غرفتي من دون جدوى.
لا شيء مفقوداً سواها.
"مَن في هذه المدينة المتوحشة، المتقوقعة حول عملاتها الورقية. المدينة التي لا يقطنها إلا التجار والسماسرة، سيسرق صورة لشهيد؟"
إن معظم الذين يقطنون المدن، عادةً ما يُساقون كالقطيع، طوعاً أو مجبرين، إلى قووايش تأمين فاتورة البقاء. وفاتورة الكهرباء. وفاتورة الماء. وفاتورة الهواء.
وفاتورة شفط كوليستيرول الأرقِ من الدماء.
وبالتالي، مثلنا مثل معظم سكان المدن، يغدو المال هو الإله المسيطر على عقول معظمنا.
بعد حوالي الثلاثة أيام من إختفاء الصورة، سمعت، وأنا في محل للحلاقة،
حديثاً يدور بين شخصين.
كان الأول يخبر الثاني عن إبنه المشاكس، وكيف أنه قد ضبطه يحمل سراً، صورة كبيرة لشهيد. صورة كان يحاول تهريبها خلسةً إلى غرفة نومه.
مِن كلام الأب، عرفت أن إبنه لم يكن إلا ذاك اللص السارق.
وأنه، أي الأب، غير راض أبداً عن وجود الصورة في بيته.
"لا بد أن أحد أبناء الجالية هنا يخرّب عقل هذا الولد بعفنٍ كهذا"، احتج الأب مستاءً.
ولما قاطعتُ كلامه وسألته : " ولما الخجل من محبة المقاومة؟ ألم تحرّر المقاومة الوطنَ من الإحتلال؟"،
أذكر أنه أجابني: "أي تحريرٍ هذا ونحن لا نملك الآن خبزاً ".
فقلتُ له: " الخبز فعل حصار خارجي وفساد داخلي. وما قيمة الخبز إذا ما لقمّوك إياه في خيِم التشرّد العالمية؟".
زجرني بنظرةٍ لئيمة، وقبل أن يرد لي الصاع صاعين، تدخّل الحلاقُ وقصّ حديثنا الذي طال :
"على كل حال، نحن هنا في الغربة لنعمل، لا لكي نتكلّم في السياسية وأمور الوطن".
هززتُ رأسي مفضلاً الصمت على الكلام كي لا أحرجه.
وافق الأب على مضض. لكنه لم يقبل إلا أن تكون الجملة الأخيرة ملكه.
فأفتى قبل أن يُنزل ستارة الختام : " على أي حال، هو ابني وأنا حرٌّ فيه".
انتهى حديثنا مثلما ينتهي كل شيء في الوطن. لا غالب ولا مغلوب.
صحيح أني في ذاك النهار، اكتشفت هوية سارق الصورة.
وصحيح أني عرفتُ إسمه وبيته وعنوانه.
ولكني، بدل أن أطالبه بإعادتها، آثرتُ أن ألتزم الصمت.
لا، بل رحتُ أساعده في مقصده هذا.
اللص الذي دخل خلسة إلى غرفتي.
اللص الذي تحايل على العتمة، لا ليأخذ نقوداً أو مقتنيات، أو أي شيء ثمين آخر، بل ليأخذ صورة لشهيد في الوطن.
اللص الذي لا بد أنه كان يعلم بوجود تلك الصورة في غرفتي من خلال أحد أقربائه أو أصدقائه الذين زاروني سابقاً.
صرت أطلب من أحد القادمين من لبنان، صورتين لشهيد، لا صورة واحدة، وكتابين عن قصص المقاومة، لا كتاباً واحداً.
الأول أتركه معي، والثاني أركنه أمام النافذة المفتوحة، عن سابق إرادة وتصميم.
أتكره لذاك اللص الصغير، كي يأتي خلسة ويسرقه.
كما إني طلبت من الحارس الكسول، أن يبقى هكذا، مخموراً في كسله، إذا ما رآهُ يدخل البيت.
لا لشيء، بل لأنه بالفعل، ومن دون مواربة، ومن دون حفلات الكذب واللفٍّ والدوران، أشرف لص في المدينة.
( أشرف لص في المدينة / ربيع دهام)
أعجبني
تعليق
إرسال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كيف أنّجو من غوصّي فيكِ

  كيف أنّجو من غوصّي فيكِ وصوتكِ يجعلني فيهِ غريق كيف أنقذ نفسي من جحيمكِ وهمسكِ يشعلّ في صدري الحريق كيف أجد السبيل الى خلاصي منكِ وكلما اه...