بأسرعِ ما يمكن استللتُ كيس فشار من الرف أمامي.
وبأسرع ما يمكن رميته في سلة المقتنيات.
وبأسرعِ ما يمكن بدأت رحلة الحج نحو الكاونتر.
رأيتُ علبة شاي الحصان ترمقني من الرف الأيمن.
سمعتها تصهل:
"حرِّرني. إنزع عني لجامي. أعتِقني من سجني ومن قضباني".
تجاهلتُها وركضتُ بأسرع من الحصان.
هي بالذات لا أريد رؤيتها في وقتٍ كهذا.
رآني أحد الموظفين. قذفني بـِ صاروخ "صباح الخير" ، مع ابتسامة
رُسمتْ على رأس الصاروخ المتفجّر.
تجنّبتُ شظايا الأحرف بقفزةٍ أولمبية.
هززتُ رأسي. ومِن دون إبتسامة مقابلة ، أكملتُ طريقي،
وبأسرع ما يمكن، نحو الكاونتر.
وكم كنتُ أتمنى، في تلك اللحظة بالذات، أن تنبت لي أجنحة، علني أطير، وبأسرع ما يمكن، فوق جميع الأقسام. بل فوق السوبرماركت. بل فوق الشوارع بأكملها.
سمعت الموظّف يهمس: " من يظن نفسه هذا الذي لا يبستم.
لئيم ومتكبّر. هل لأنني موظفٌ فقيرٌ، وهو صاحب مدرسة، لا يكلمني؟".
أكملت طريقي. انعطفت يميناً، سالكاً، وبأسرع ما يمكن، أقصر دربٍ ممكنة للخروج.
لكني، وكحبّة فستقٍ حُشِرتْ في زلعوم، كبسني أحد المعارف بكرشه، فألصقني بعلب السردين المكدّسة على الرف ورائي.
تكدّستُ أنا معها هناك.
رمقني الكرش. سألني :"كيف حالك؟ كيف الحياة معك؟".
أطلقتُ مضادات رشقاتي فوراً : "الحمدلله الحمدلله".
قلتها مِن دون أن أسأله بدوري عن "الحياة معه".
دفعته برفقٍ وأكملتُ، وبأسرع ما يمكن، طريقي نحو الكاونتر.
سمعت صاحب الكرش يهمس : " ومن يظن نفسه هذا؟ ألأنه كاتب رواية وديوان، يحسب نفسه طرزان؟".
لم أكترث لكلامه، لا بسبب تكبّرٍ مني لا سمح الله، بل لأن اكتراثي كان
لأمرٍ أكبر. أكبر بكثير.
أخيراً تراجع الضباب وهلّ هلال الكاونتر في الأفق أمامي.
ها أنا أراه يلوّح بقماشته الحمراء. هجمتُ عليه مثل الثور الهائج.
فجأة أوقفني واحدٌ من زبائن المدرسة.
" كيفك أستاذ؟".
ومن دون أن ينتظر حوابي، راح ، كالماتادور الإسباني، يغرز سيوف كلامه
في جسدي الهائج:
" كيف الطلاب؟"..." كيف المدرسة؟" ... " ماذا تحضّرون للسنة القادمة؟"..."أنا لم أنسَ. واللهِ. سآتي في هذين اليومين لأدفع".
أجبته، أنا الثور، بهزة من رأسي، ثم أكملت طريقي، وبأسرع ما يمكن، إلى الكاونتر.
سمعت الماتادور يهمس في أذن صديقه :
" لو كنتُ أنتمي إلى الحزب السياسي الذي ينتمي إليه، لكلّمني بكل مودة".
لم أكترث. دفعت ثمن كيس الفشار وأنا فاقد الصبر، وأهتز مثل كلبٍ في سطل ماء يسبح فيه شريط كهرباء عارٍ إلا من الشحنات الإلكترونية.
حملت الكيس مرتجفاً وقفزت إلى الخارج.
التقطتني امرأة وابنتها في الباحة.
" فريد! أين أنت يا فريد؟ لماذا لا نراك؟ ما بك يا رجل؟"
مِن دون انتباه، وبأسرع ما يمكن، قلتُ لها "شكراً"، ثم وضعتُ خمسة دولارات في كفها الأيمن، وأكملتُ طريقي نحو الموقف.
صُدِمتْ المرأة. سمعتُ صوتها يلاحقني. يشدني من ياقة القميص،
ثم من عنقي : " فريد ! لماذا أعطيتني المال يا فريد؟".
استدرتُ، أنا الثور المذبوح المخنوق، وحشرجتُ :
"آه عفواً. كنتُ أريد إعطائها لتلك الفتاة المقعدة أمام السوبرماركت. أرجوك. أرجوك أعطها إياها لو سمحتِ".
عدتُ وأدرتُ ظهري وأكملتُ طريقي، بأسرع ما يمكن، إلى السيارة.
سمعتُ المرأة تشي لابنتها : " ما به هذا الللئيم. أيفقد عقله؟ ولماذا هو فظ لهذه الدرجة؟ ألأنني من طائفةٍ أخرى لا يريد أن يكلمني؟ ألأنه يعيش قرب البحرِ يتكبّر علينا؟ "
دخلتُ السيارة صائحاً بالسائق:
" أرجوك أوصلني بأسرع ما يمكن إلى البيت".
دخلتْ الأم الغاضبة السوبرماركت وهي تشتم وتلطم. سألها الموظف المبتسم : "ما بك؟".
أفشت له القصة مع رشات الملح والبهار، المتوفرة بكثرة في السوبرماركت : " كلّمتُهُ ولم يجب. أعطاني خمسة دولارات كأني أشحذ منه. طائفي متعصب متغطرس".
وافقها الموظف: " بل هو متكبر. ومتجبر. ويخجل أن يحكي مع موظف فقير مثلي".
سمعهُما صاحب الكرش ، فاقترب منهما واحتج:
" وأنا كلّمته. لكنه ركلني ومشى. طبعاً. فهو كاتب وروائي. يظن أن كل كتاب يكتبه يجعله أعلى مقاماً من الذين حوله".
سمعهما الماتادور الذي كان قرب الكاونتر وراح بدوره يشتم :
" هذا الوقح. لو كنتُ في حزبه السياسي لكلّمني. متعصبٌ بلا عقلٍ وأخلاق. تباً له".
في تلك الأثناء، وبينما هم يواصلون ثرثرتهم عليّ، وتتنقل الثرثرة من لسان إلى أذن، كما يتنقل الكورونا من فم إلى رئة، وبأسرع ما يمكن، في كل أنحاء البلاد، وصلتُ أنا إلى تقاطع الطريق المؤدي إلى البيت.
في تلك الأثناء، كانت المدعوّة إم ملحم، تخبّر جارتها، في شارع يبعد خمسة كيلومترات عن السوبرماركت :
" أتعرفين ذاك الكاتب المغرور ماذا فعل يا أم غنطوس؟ ضرب الموظف في السوبرماركت وبصق في وجهه".
توقفتْ السيارة. فتحتُ الباب. ركضتُ نحو مدخل البيت.
وفي هذه الأثناء، كان أبو أحمد، الساكن في المدينة المجاورة، التي تبعد عشرة كيلومترات عن السوبرماركت ، يقول لزوجته :
" أتدرين ماذا فعل ذاك الأستاذ اليوم؟ كان في السوبرماركت. حمل حبّة طماطم وقذفها على وجه صاحب المكان قائلاً له : " أنتم لستم بشر. أنتم قتلتُم بقرة أجدادي الحلوب منذ 1300 سنة".
ركضتُ بأسرع ما يمكن نحو الطابق الثاني.
كان التلفاز الذي نسيته مضاءً يولولُ. سمعت أحد مذيعي المحطات العربية الكاذبة يقول :
" رجلٌ يدخل سوبرماركت ويفجرّ نفسه بحزام ناسف حاصداً أرواح ثلاثة أشخاصٍ وامرأة وبنت صغيرة. وأحد الضحايا كان لديه كرشاً نافراً. الرجاء القدوم إلى السوبرماركت حالاً للتعرف على الجثث".
وصلتُ جنّة الخلاص .فككتُ، وبأسرع ما يمكن، زر بنطالي.
ركلتُ الغطاء بقدمي حتى فتح. وبإسرع ما يمكن، أفرغتُ مثانتي من ازدحامات البول المعتّق.
تنفّستُ الصعداء. رأيتُ كلمات تنزلق مع الشلال الهادر وتختفي في الجورة.
كلمات مثل "طائفي" و" متغطرس" و" بحر" ، و"متكبّر" ، و"متعصب" و "كاتب"، و" ديوان" و "صاحب مدرسة".
ومع خرير شلال البول المنسكب المختلط بكلام الناس، أغمضتُ عيني، وابتسمتُ. وصرختُ، أنا الفارغ من كل السموم والموبقات،
بأعلى ما يمكن : "يوريكاااااا !".
( قصة قصيرة / بأسرعِ ما يُمكن / ربيع دهام)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق