(الإبحار في ليالي الفقد)
وها أنت الآن تنتشرين...
في مدى نواظري ورقاء قادمة
تمنح الكواكب والأهلة فلكا جديدا،
وتمنح السحر الساكوت صمتا جديدا ......، وعمقا مديدا.
أقبلت فتبينت ذلك القادم المترنح _
خلف السحر العابس _يرنو إلينا،
ساهم لدينا في مجون!
وأومأت.. ألا أيها الفجر الجنين المتمطي في رحم الغبش المحلق بالجفون.. ألا اقترب!
فكأين من سنا باغت الغاسق الفاجر بغتة تميط دجرته العالقة بهدب العيون!!
وها أنت تقتربين مني..، تقتربين..
وتمثلين إزاء لحظي الحزين!!
معذرة مولاتي....
أنت ورقاء عدوت الشوق رغما...
عن الأسل الممتد في السمت المفضي إلي،
وأنا مرتجل قهرني الأسل وعزني عنك!
هذا فؤادي اءتج لك قبسا من الشوق، والوجد ساهر وهيج،
وأريج ودي الرقيق فاح في الأفق،
أواه... أي هذا الأريج!
وجبين هاجرتي اخضل تبتلا إليك!
فلتمنحي أذني رنات خطاك نحوي،
ولتمنحي ضلوعي دفئ حلولك بمخدعي،
ولتمنحيني لون جلدك الوضيئ،
دثريني في جراجيرك الدفيئة،
وامزجي بشرتي بخمرة أوشحتك،
لتشهد كل المعاجم أنني لغة حلت بلسانك،
ولتشهد كل عوازلي أنني منك...
رسم و وضم... و دم.. وعمر، وعشق جسيم، وفجر وسيم، وصمت هامس
مسبح باسم الذي بيني وبينك.
ردي لي مجون صباي،
ورياح جراءتي في عصر هواك،
لنصنع تاريخا، ونخلف كتابا، ونخلد موسما في زمن سرمدي.
أي حبيبتي : لم الهروب؟
وملائك الهوى والقلوب مسغبة!
وعلى أهداب عيوني..
حطت كل ليال الغربة متعبة!
لا ترحلي..، وإن غبت عني فاسألي،
واشفعي لي عند لائم يغتابني ليعدل!
و اشرحي للزهور محبتي كي لا تذبل
وارجعي إلي، فقد يلين الزمن أو يتبدل
ولإن نأوت عني أو عنك أنا عائد إليك،
فلا تهربي مني أو منك، فكل المياثق شاهدة عليك!
حبيبك أنا، حبيبك وحبيبتي أنت،
وأنت كل الرجا والمني.
أناجيك :يا من حسنه مس دمى ،
ويا جرحا نال من رسمي!
وأناجيك :يا من همه أشلاء همي،
فيختلف النداء لك في فمي!
وأشكوك لكل نسيج نهار مبتسم،
ولغبطة كل نور ناعم،
وأقول أسلوك، فيفجؤني وجه صبح مبهم،
ذاع للصبايا عن هواك الأقدم،
تباغتني وجوه الصبايا وتتهم،
تعاتبنني، وتنأو، وتنكرنني!
أواه..، يرتحل بي طير النوى،
وأرتحل لبلاد النوى، فيلحق بي لفح الجوي، آه، تشابهت الربوع!
وأضلتني المطايا، وذلني الرجوع،
فغبت، ولكني رجعت!
وأجبتهم : خشيت أن أبدل غربتي التي ألفتها بغربة أخرى لا أدركها، وخفت أن أضيعني، وأضيعك مني،
فعدت متشبثا بذهاب فؤادي في جزر الفقد التي تعرفني،
وتدعوني أحيانا على مأدبة الجوع،
وتسلبني بوحي لتختبي دموعي،
وأفتقد فيها عنواني وهويتي،
وأظل مذهب الوعي، مرغم الخطى
على درب ضيعتي!!
تبينت أنني فشلت،
وأنني أهبت الإبحار في زمني المنتظر،
وآثرت انتظاري لما يحكم به القدر!
لم أحصي كم فقدت،
وتأكدت أنني فشلت!
وعدت أناجيك.. وتحدق نواظري...
في الظلماء، أتبصر محياك البهي.. _
من خلف نافذة البين _
يسائل الوجوه عني،
فتخادعه الوجوه وتنكرني!
وتوصد جفناه عن عيني!
تحرمك الأقدار حضني...،
تسلبني الأيام مني، و تحرمني...!
وهذي تخوم، وهذي غيوم تسكن المدي بينك وبيني،
وهذي ليال غربت روحي في وطني،
وحطمت أبراج زمني، و جعلتني أشلاء، أشلاء جعلتني في ربوع هواك، وأبت أن تجمعني!!
تتئد نواظري وسط الضباب،
تهرب من طيفك وهو لائمي،
أرتحل في فضاء الفقد مرغم!
ومن لي سواك يجمع حروف شعري
ويلملم في كأس فاه أفراح عمري
أو يتوضأ من نزيف لحظي المضطرم،
ويرتكع خلفي عاكفا لي في حرمي،
حبيبك أنا، وحبيبتي أنت،
وأناجيك : يا لهف عيوني يالشوقي
يا لهف قلبي عليك يا سالبتي نبض قلبي!
يا لغربة روحي تاهت مني على دربي!
وعدت وحدي، بعضي، أناجيك
حنانيك ألا يا أدنى لي من روحي ألا اقتربي!
أناجيك، وتشرئب نواظري _وسط الزحام _تفتش عن وجهك النائي!
ونواظري بعض أشلائي!
تحمل لك اللهف فامتلكيها،
هذي نواظري فامنحيها أمانيها،
وعلى أهداب عيوني حطت كل ليال الغربة متعبة!
هذي عيوني وأنت بدر لياليها،
فاسكنيها... أرجوك!
أناجيك وتوغل أذني في الضوضاء
تتسمع همسك تصغي لهديل الأحاديث وأجواء السمار......،
عبر مآتم من الثرثرة والصرير،
وعبر طرق الرياح الصاخبة ،
وعبر إذاعات الأنباء الكاذبة،
تصغي، تتسمع هديلك المفقود!
لا أعي من مزاج الأساليب الساهبة
سوي صهيلك المصفود، فأعود.....!
وأدرك أني كنت لا أدركني
قدر ما أدركك مني رجائي وظني!
إني ما عدت أملكني! رحماك، رحماك! يا من لذت به في غربتي ولم يدركني، وهو مني، ساكن في جنبي،
مندس بين كتبي، ويؤرق سن قلمي،
و أدركه فأناجيه.....،
أشعر به في ضلوعي الدمع الغزير،
أشعر به في ربوعي لفح الهجير...،
فأناجيه، وأذوب دمعا في مآقيه،
فيملكني، وأدركه، وأقرأه، و أكتبه،
وأبوح به، وينكرني!!
كلماتي ديسمبر ١٩٨٨
أحمدعبدالمجيدأبوطالب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق