سَفَرٌ بِعُمْرِ الحُلُم
قَالَ المُسافِرُ لِلطَرِيقِ : أَلَيْسَ هُنالِكَ مُفْتَرَقُ طُرِقٍ بَعْدَ مَسْيرِةِ خَمْسِينَ أَلْفَِ عَامٍ مِن هُنَا ، فَلَرُبَما انْعَطَفتُ يَمِيناً أَو شِمالاً لا يَهُمُ كَثِيراً ، فَهُنالِكَ أّعْرِف ما نَسيتُ ، مَا كانَ يَبْحَثُ عَنْهُ ( فرويد ) في فَلسَفَةِ ( الطُوطَم و التَابُو ) عِنْدَ قَبائلِ أَجْدادِنا القُدَمَاء ، كَيْ يَعْرِفَ القَليلَ عَن شَخْصِيَتِنا الأَنسانيةِ ، التي يَشُوبُها الكَثِيْرُ مِنَ الغُموضِ ، و كَيفَ تَتَصَرَف مُسَيْطِرَةً على العَقْلِ الجَمعيًّ لِمُجْتَمَعاتِنا .
بَعْدَ ذَلِكَ بِكَثير كَانَت إِضَافَة حَرفُ السين الخَاصِ بِاللُغَةِ الإغِريقِيَةِ ، - و ( السِين ) : عَقْربُ سَاعَتِيْن ؛ سَيفٌ يَقْطَعُنِي إلى نِصْفَيْن ، و سِجْنُ يَحْبِسُنِي كالعَنْقَاء دَاخِلَ المَعنَى - على اسْمِ الإِله الكنعَانِي - الفينيقي ( أَدوني ) ، لِيولَدَ أَدونيسُ الفائقُ الجَمَال ، لَعَلَهُ ( زِيُوس ) الإِلَهُ الهَجِيْنُ سَجِيْنُ المَاضِي البَعِيْد اسْتُولِدَ مِن ( الدي ، ان ، إي ) ، جَعَلَ الخِنْزِيرَ البَرِيِّ المُشَفَرُ عَلَى هَيْئَةِ الحَمَل الوَدِيْع يَقْتُلَهُ ، رُبَّمَا لِيَكْتَمِلَ سِيْنَاريُو الأُسْطُورَة .
و بَعْدأَن أَعَادَتْهُ ( أَ فرُودِيْت ) مِن عُمْقِ الجَحِيْمِ لِيُبْعَثَ إِلهً لِلحَياةِ مِن جَدِيْدٍ ، أُقِيمَت لَهُ طُقُوسُ عِبَادَةٍ ، لَرُبَّمَا كَانَت أَغْرَبُ مِنْ صَلاةِ الكَثٌرِيْنَ عَلَى هَذَا الكَوكَب التَائِهِ فِي اللَامُتَنَاهِي ، سَمِعْتُهُ يَهْتِفُ مِن فَوقُ ( الأُوليمب ) : أَلَم تَجِدُوا ( أطْلَانْتِس ) بَعْد !؟ قُلْتُ : الطَرِيْقُ يَعْرِفُ هَذَا أَكْثَرَ مِن كُلِّ العَابِرِيْنَ إِلى هُنَاكَ ، أَجَابَهُ هِيَ قَيْدَ الإِنْشَاء بِرِعَايَةِ الإِلِهَةُ ( هِيْرَا ) .
المُسافِرُ هَذَا اقتَرَبَ قَلِيلاً مِنَّا بِتَوَدُدٍ و اسْتِغْرَاب ، لِيَرَى بِأَنَنَا و فِي الأَلفِيةِ الثَالِثَةِ بِخُطْوَتِيْن أَو أَكْثَر ، عَلَى مَسِيرِةِ هَذَا الطَرِيْقِ المَجْهُول ، أَي فِي عَصْرُ الحِقْبَةِ المَعْرِفِيَّة ، نَظَرَ هُوَ إِليَّ مُتَسَائِلَاً: هَل مَا لَقَنُونَاهُ أَطْفَالَ مَدَارِس ، القَلِيْلُ مِنهُ مَا هُوَ إِلِّا مَحْضُ مِيثُولُوجيا إِسلامِيِّة !؟ أَجَبتُ صَامِتاً و بِإيمائَةِ الذي لا يَعْرُفُ. ، لَيْسَ خَوفَاً مِنَ الذَين تَمَثْلَجُوا عَرْشَ الإِلَه ، لكِنَنِي كُنْتُ فِي مِزَاجٍ جُدُّ سَيء ، صَنَعُ الجِدَلُ البِيْزَنْطِيِّ بَيْنِي و بَيْنَ الآخَر مِنِي لا لِشَيءٍ سِوَى أَن يُتْعِبَنَا ؛ نَحْنُ الواحِدَ !؟ ، الإثْنَيْن !؟ رُبَمَّا النَحْنُ الجَمِيْع ، سأَلني ثانِيَةً : تُرى هَلْ صَحِيْحٌ أَنَّ تَسْيِِيْسُ الإِسْلاَمِ وُجِدَ قَبَلَ قُرُون ، و اَنَّ الحَجَاجَ لَم يَكُن يَعْلَمُ بِذَلِك ؟ ، طَبْعاً لَمْ أُجِبْهُ مُلْتَزِماً صَمْتَ الهُرُوب .
ثُمَّ قَالَ لِي لَقَدْ جِئْتُكَ مِنَ الأَبْعَدِ مِنَ الخَيَالِ ، مُستَوعِباً كُلَّ مَا أَرَانِيْهِ طَرِيْقِيَ ، لَكِن ما يَحْدُثُ هُنَا الآنَ عَصِّيٌ عَلَى الفَهْم ، نَظَرَ إِلَيَّ بِنَظْرَةٍ ما فَهِِمْتُهَا و قال : أَسْتَوْدِعُكَ السَلامَةَ أَيُّهَا الضَائِعُ مُثلِي ، لِأَنَّ فِي هَذَا اليَوْمَ لَا مَوْعِداً لِأَيِّ لِقَاء .
تَمَهَلْ ، صَاحَ الطَريقُ لِلمُسَافِرِ لاهِثَاً ، أَبطِيء خُطاكَ فَوْقَ أَعْشابِ الصُخُورِ تِلْكَ التي تُثْقِلُ ظَهْري ، و تَرْسُمُ عُمْري بِكَثافَةِ التُرابِ يَتَكَدَسُ فُوقِي مُنْذُ بَلَايِيْنِ السِنِيْن ، ثُمَّ أَبْطِيء خطَاكَ أَكْثَرُ فَوْقَ أَثَرِ العابِرينَ قَبْلَكَ و ابْتَسِمْ ، لا تَسْل لِماذا ، فَلَنْ أَستَطِيعَ الإِجابَةُ عَمَّا يَدورُ فِي ذِهْنِكَ المُشَوَش .
لا عَلَيْكَ ، سَوفَ تَصِلُ إَلى أَقْرَبِ نِهايَةٍ فِي الوَقْتِ المُحَدَدْ ، و قَبْلَ الجَمِيْعِ الَّذِينَ عَبَروا مِنْ هُنَا قَبْلَكَ نَحْوَ البِدَايَة ، حَيْثُ الهُناكَ بِلَا مَعْنَى ، فَأَبْطِيءْ قَدْرَ مَا اسْتَطَعْتَ فِي خُطَاك ، سَتَصِلُ قَبْلَ الْجَمِيع الَّذِيْنَ لَنْ يَطْويهِمُ العَدَمُ قَبْلَك ،
إِنَّهُمُ هُمْ مَنْ سَيُقيمُونَ لَكَ مَراسِمَ الوَداعِ الأَخْير ، وَ يُنْشِدونَ تَراتِيلَ الصَلاةِ الأخِيْرَة ، وَ أَنْتَ تَحْتَ دِثارٍ مِنَ السَحَاب ، تَكُونُ أَعْمَقُ مِنْ مَوضِع الشِّعْرَى اليَمَانِيَّةِ ، مَسافَةً حُدِدَتْ هَكَذَا كَيفما أُتُفِقْ .
جَمِيعهُم يَعْبُرونني عائدينَ دُونَك ،
فَأَنْتَ الآنَ وَحْدَكَ ؛ نَعَمْ وَحْدَك ، لا تَعْرِفُ و لَن تَعْرِفُ هَلْ أَنْتَ ( هُنَا ) ، أَمْ ( هُناكَ ) ، و لكِنَكَ مُتَأَكِدٌ بِأَنَّ تِلْكَ القُرى خَلْفَ الهِضَاب ، رَحَلَت مَعَ بَعْضِ العَوَاصِمِ البَارِحَةَ وَقْتَ الغُرُوب ، و لَيِسَ هُنَاكَ مِن أَحِدٍ سِوَاكَ بإِنْتِظَارِك ، لَا مِن ( طَسَمٍ ) و لا ( جَدِيْس ) ، فَاجْلِس فَوقَ بَقِيَتِكَ التِي تُثْقِلُك و انْتَظِرنِي ، سَأَرْجِعُ حَيِثُ كُنَّا قَبْلَ الفَصْلِ الأَخِيْر ، و لَن أَعُوٌدَ إِلَيْكَ .
نَظَرْتُ فِي كُلِّ الجِهَات جَاهِدَاً ، أُحَاوِلُ الإمْسَاكَ بِفِكْرَةٍ تَائِهَةٍ مَع نَسِيْمِ هَذَا الليْل ، كَي يَصْحُو الخَيَالَ مِن حَالَةِ الجُمُودِ ، فَيْرتَعِشَ الدُمَاغُ المستَطِيْل مُسْتَيِقِظَاً ، لِأُجْبِرَهُ عَلَى تَرْتِيبِ المُفْرَدَات و التِي تَتَنَاثَرُ بِعَشْوَائِيَةِ الكَوَارِث ، فِي رَأسِيَ و صَمْتِ المَكَان ، لَم يَتَغَيَرَ شَيءٌ يُذْكَرُ سُوَى أَنَّنِي سَأَنَامُ بَعْدَ وَقْتٍ غَيْرَ مَعْرُوفٍ ، دُونَ أَن أُشْعِلَ مُخَيِلَتِي بِأَربَعَةِ بِلْيُونِ عَامٍ مَرَت مُسْرِعَةٍ كَي أَشْعُرَ بِوُجُدِي .
و الآنَ لَيْسَ هُنَالِكَ أَيُّ نَشَاطٍ يُحْدِثُ فَرقَاً ، بَيْنَ مَا انْقَضَى ، و بَيْنَ مَا سَيَكُون ، سِوَى شَهِيْقٌ مُثْقَلٌ بِدُخَان سِيْجَارَتِي ، و زَفِيْرٌ يَخْرُجُ عَلَى دُفعَاتٍ بِانْتِظَارِ مَا تَبَقَى مِنِي ، قَطْعَاً لَن أَنْظُرَ خَلفِيَ كَي لَا أَرَى عَالَمِي الدَاخِلِي و قَد شَاخ قَبْلَ شِتَاءٍ جَدِيْد ، و لَا أَمَامِيَ لِأَنَّنِي أُعَانِي ( فُوبيَا الحَقِيْقَة ) ، شَرِبْتُ رَشْفَةً مِن المَاء و أَنَا أسْتَذْكِرُ مَا أسْتَذْكِرُهُ كُلَّ لَيْلٍ ( أَكَلَ ، شَرِبَ ، تَوَسَدَ اللَيْلَ لِيَشْخَر ) .
سامي يعقوب .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق