الأحد، 30 مايو 2021

سفر بعمر الحلم سامي يعقوب

 سَفَرٌ بِعُمْرِ الحُلُم

قَالَ المُسافِرُ لِلطَرِيقِ : أَلَيْسَ هُنالِكَ مُفْتَرَقُ طُرِقٍ بَعْدَ مَسْيرِةِ خَمْسِينَ أَلْفَِ عَامٍ مِن هُنَا ، فَلَرُبَما انْعَطَفتُ يَمِيناً أَو شِمالاً لا يَهُمُ كَثِيراً ، فَهُنالِكَ أّعْرِف ما نَسيتُ ، مَا كانَ يَبْحَثُ عَنْهُ ( فرويد ) في فَلسَفَةِ ( الطُوطَم و التَابُو ) عِنْدَ قَبائلِ أَجْدادِنا القُدَمَاء ، كَيْ يَعْرِفَ القَليلَ عَن شَخْصِيَتِنا الأَنسانيةِ ، التي يَشُوبُها الكَثِيْرُ مِنَ الغُموضِ ، و كَيفَ تَتَصَرَف مُسَيْطِرَةً على العَقْلِ الجَمعيًّ لِمُجْتَمَعاتِنا .
بَعْدَ ذَلِكَ بِكَثير كَانَت إِضَافَة حَرفُ السين الخَاصِ بِاللُغَةِ الإغِريقِيَةِ ، - و ( السِين ) : عَقْربُ سَاعَتِيْن ؛ سَيفٌ يَقْطَعُنِي إلى نِصْفَيْن ، و سِجْنُ يَحْبِسُنِي كالعَنْقَاء دَاخِلَ المَعنَى - على اسْمِ الإِله الكنعَانِي - الفينيقي ( أَدوني ) ، لِيولَدَ أَدونيسُ الفائقُ الجَمَال ، لَعَلَهُ ( زِيُوس ) الإِلَهُ الهَجِيْنُ سَجِيْنُ المَاضِي البَعِيْد اسْتُولِدَ مِن ( الدي ، ان ، إي ) ، جَعَلَ الخِنْزِيرَ البَرِيِّ المُشَفَرُ عَلَى هَيْئَةِ الحَمَل الوَدِيْع يَقْتُلَهُ ، رُبَّمَا لِيَكْتَمِلَ سِيْنَاريُو الأُسْطُورَة .
و بَعْدأَن أَعَادَتْهُ ( أَ فرُودِيْت ) مِن عُمْقِ الجَحِيْمِ لِيُبْعَثَ إِلهً لِلحَياةِ مِن جَدِيْدٍ ، أُقِيمَت لَهُ طُقُوسُ عِبَادَةٍ ، لَرُبَّمَا كَانَت أَغْرَبُ مِنْ صَلاةِ الكَثٌرِيْنَ عَلَى هَذَا الكَوكَب التَائِهِ فِي اللَامُتَنَاهِي ، سَمِعْتُهُ يَهْتِفُ مِن فَوقُ ( الأُوليمب ) : أَلَم تَجِدُوا ( أطْلَانْتِس ) بَعْد !؟ قُلْتُ : الطَرِيْقُ يَعْرِفُ هَذَا أَكْثَرَ مِن كُلِّ العَابِرِيْنَ إِلى هُنَاكَ ، أَجَابَهُ هِيَ قَيْدَ الإِنْشَاء بِرِعَايَةِ الإِلِهَةُ ( هِيْرَا ) .
المُسافِرُ هَذَا اقتَرَبَ قَلِيلاً مِنَّا بِتَوَدُدٍ و اسْتِغْرَاب ، لِيَرَى بِأَنَنَا و فِي الأَلفِيةِ الثَالِثَةِ بِخُطْوَتِيْن أَو أَكْثَر ، عَلَى مَسِيرِةِ هَذَا الطَرِيْقِ المَجْهُول ، أَي فِي عَصْرُ الحِقْبَةِ المَعْرِفِيَّة ، نَظَرَ هُوَ إِليَّ مُتَسَائِلَاً: هَل مَا لَقَنُونَاهُ أَطْفَالَ مَدَارِس ، القَلِيْلُ مِنهُ مَا هُوَ إِلِّا مَحْضُ مِيثُولُوجيا إِسلامِيِّة !؟ أَجَبتُ صَامِتاً و بِإيمائَةِ الذي لا يَعْرُفُ. ، لَيْسَ خَوفَاً مِنَ الذَين تَمَثْلَجُوا عَرْشَ الإِلَه ، لكِنَنِي كُنْتُ فِي مِزَاجٍ جُدُّ سَيء ، صَنَعُ الجِدَلُ البِيْزَنْطِيِّ بَيْنِي و بَيْنَ الآخَر مِنِي لا لِشَيءٍ سِوَى أَن يُتْعِبَنَا ؛ نَحْنُ الواحِدَ !؟ ، الإثْنَيْن !؟ رُبَمَّا النَحْنُ الجَمِيْع ، سأَلني ثانِيَةً : تُرى هَلْ صَحِيْحٌ أَنَّ تَسْيِِيْسُ الإِسْلاَمِ وُجِدَ قَبَلَ قُرُون ، و اَنَّ الحَجَاجَ لَم يَكُن يَعْلَمُ بِذَلِك ؟ ، طَبْعاً لَمْ أُجِبْهُ مُلْتَزِماً صَمْتَ الهُرُوب .
ثُمَّ قَالَ لِي لَقَدْ جِئْتُكَ مِنَ الأَبْعَدِ مِنَ الخَيَالِ ، مُستَوعِباً كُلَّ مَا أَرَانِيْهِ طَرِيْقِيَ ، لَكِن ما يَحْدُثُ هُنَا الآنَ عَصِّيٌ عَلَى الفَهْم ، نَظَرَ إِلَيَّ بِنَظْرَةٍ ما فَهِِمْتُهَا و قال : أَسْتَوْدِعُكَ السَلامَةَ أَيُّهَا الضَائِعُ مُثلِي ، لِأَنَّ فِي هَذَا اليَوْمَ لَا مَوْعِداً لِأَيِّ لِقَاء .
تَمَهَلْ ، صَاحَ الطَريقُ لِلمُسَافِرِ لاهِثَاً ، أَبطِيء خُطاكَ فَوْقَ أَعْشابِ الصُخُورِ تِلْكَ التي تُثْقِلُ ظَهْري ، و تَرْسُمُ عُمْري بِكَثافَةِ التُرابِ يَتَكَدَسُ فُوقِي مُنْذُ بَلَايِيْنِ السِنِيْن ، ثُمَّ أَبْطِيء خطَاكَ أَكْثَرُ فَوْقَ أَثَرِ العابِرينَ قَبْلَكَ و ابْتَسِمْ ، لا تَسْل لِماذا ، فَلَنْ أَستَطِيعَ الإِجابَةُ عَمَّا يَدورُ فِي ذِهْنِكَ المُشَوَش .
لا عَلَيْكَ ، سَوفَ تَصِلُ إَلى أَقْرَبِ نِهايَةٍ فِي الوَقْتِ المُحَدَدْ ، و قَبْلَ الجَمِيْعِ الَّذِينَ عَبَروا مِنْ هُنَا قَبْلَكَ نَحْوَ البِدَايَة ، حَيْثُ الهُناكَ بِلَا مَعْنَى ، فَأَبْطِيءْ قَدْرَ مَا اسْتَطَعْتَ فِي خُطَاك ، سَتَصِلُ قَبْلَ الْجَمِيع الَّذِيْنَ لَنْ يَطْويهِمُ العَدَمُ قَبْلَك ،
‏‎إِنَّهُمُ هُمْ مَنْ سَيُقيمُونَ لَكَ مَراسِمَ الوَداعِ الأَخْير ، وَ يُنْشِدونَ تَراتِيلَ الصَلاةِ الأخِيْرَة ، وَ أَنْتَ تَحْتَ دِثارٍ مِنَ السَحَاب ، تَكُونُ أَعْمَقُ مِنْ مَوضِع الشِّعْرَى اليَمَانِيَّةِ ، مَسافَةً حُدِدَتْ هَكَذَا كَيفما أُتُفِقْ .
جَمِيعهُم يَعْبُرونني عائدينَ دُونَك ،
‏‎فَأَنْتَ الآنَ وَحْدَكَ ؛ نَعَمْ وَحْدَك ، لا تَعْرِفُ و لَن تَعْرِفُ هَلْ أَنْتَ ( هُنَا ) ، أَمْ ( هُناكَ ) ، و لكِنَكَ مُتَأَكِدٌ بِأَنَّ تِلْكَ القُرى خَلْفَ الهِضَاب ، رَحَلَت مَعَ بَعْضِ العَوَاصِمِ البَارِحَةَ وَقْتَ الغُرُوب ، و لَيِسَ هُنَاكَ مِن أَحِدٍ سِوَاكَ بإِنْتِظَارِك ، لَا مِن ( طَسَمٍ ) و لا ( جَدِيْس ) ، فَاجْلِس فَوقَ بَقِيَتِكَ التِي تُثْقِلُك و انْتَظِرنِي ، سَأَرْجِعُ حَيِثُ كُنَّا قَبْلَ الفَصْلِ الأَخِيْر ، و لَن أَعُوٌدَ إِلَيْكَ .
نَظَرْتُ فِي كُلِّ الجِهَات جَاهِدَاً ، أُحَاوِلُ الإمْسَاكَ بِفِكْرَةٍ تَائِهَةٍ مَع نَسِيْمِ هَذَا الليْل ، كَي يَصْحُو الخَيَالَ مِن حَالَةِ الجُمُودِ ، فَيْرتَعِشَ الدُمَاغُ المستَطِيْل مُسْتَيِقِظَاً ، لِأُجْبِرَهُ عَلَى تَرْتِيبِ المُفْرَدَات و التِي تَتَنَاثَرُ بِعَشْوَائِيَةِ الكَوَارِث ، فِي رَأسِيَ و صَمْتِ المَكَان ، لَم يَتَغَيَرَ شَيءٌ يُذْكَرُ سُوَى أَنَّنِي سَأَنَامُ بَعْدَ وَقْتٍ غَيْرَ مَعْرُوفٍ ، دُونَ أَن أُشْعِلَ مُخَيِلَتِي بِأَربَعَةِ بِلْيُونِ عَامٍ مَرَت مُسْرِعَةٍ كَي أَشْعُرَ بِوُجُدِي .
و الآنَ لَيْسَ هُنَالِكَ أَيُّ نَشَاطٍ يُحْدِثُ فَرقَاً ، بَيْنَ مَا انْقَضَى ، و بَيْنَ مَا سَيَكُون ، سِوَى شَهِيْقٌ مُثْقَلٌ بِدُخَان سِيْجَارَتِي ، و زَفِيْرٌ يَخْرُجُ عَلَى دُفعَاتٍ بِانْتِظَارِ مَا تَبَقَى مِنِي ، قَطْعَاً لَن أَنْظُرَ خَلفِيَ كَي لَا أَرَى عَالَمِي الدَاخِلِي و قَد شَاخ قَبْلَ شِتَاءٍ جَدِيْد ، و لَا أَمَامِيَ لِأَنَّنِي أُعَانِي ( فُوبيَا الحَقِيْقَة ) ، شَرِبْتُ رَشْفَةً مِن المَاء و أَنَا أسْتَذْكِرُ مَا أسْتَذْكِرُهُ كُلَّ لَيْلٍ ( أَكَلَ ، شَرِبَ ، تَوَسَدَ اللَيْلَ لِيَشْخَر ) .
سامي يعقوب .
أعجبني
تعليق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كيف أنّجو من غوصّي فيكِ

  كيف أنّجو من غوصّي فيكِ وصوتكِ يجعلني فيهِ غريق كيف أنقذ نفسي من جحيمكِ وهمسكِ يشعلّ في صدري الحريق كيف أجد السبيل الى خلاصي منكِ وكلما اه...